هل يجوز للرجل أن يقوم ببيع الملابس الخاصة للسيدات؟! تساؤل يدور في أذهان كثيرين سواء الرجال أو السيدات، في ظل تزايد أعداد المحال التي تتاجر في هذه النوعية من الملابس، واقتصار العمل في الأغلب منها على الرجال دون النساء.

علماء الدين اختلفوا حول النظرة الشرعية لهذا الأمر؛ فمنهم من رأى عدم جواز بيع الرجل لملابس النساء ؛ باعتبار ذلك يفتح الباب أمام فساد الأخلاق، بينما رأى آخرون جواز ذلك استنادًا إلى أنه لم يرد نص صريح يحرم ذلك؛ في الوقت الذي تحفظ فيه فريق ثالث باعتبار أن الفيصل في كون الأمر حلالا أم حرامًا يتوقف على مدى الالتزام بتعاليم الإسلام. ووسط هذا التناقض يقول د.محمود يوسف كريت رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر: هناك أمور تتوسط الحلال والحرام، وهي التي سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمشتبهات، حيث أمرنا بأن نبتعد عنها لقوله صلى الله عليه وسلم:»إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».

وبناء على ذلك والكلام لكريت فإن قيام الرجل ببيع ملابس النساء، وقيام السيدات بالشراء منه تعد من المشتبهات فلا هي حلال ولا هي حرام، وإنما هي تدخل ضمن الأمور التي قد تفتح أبوابًا للشيطان ليتسلل منها إلى النفوس ليبدأ في غوايتها. ويشير كريت إلى أن قيام الرجل ببيع الملابس الداخلية للسيدات لن يخلو بطبيعة الحال من تبادل الكلام حول بعض الجوانب الخاصة للمرأة مثل اللون والمقاس وغيرهما من الجوانب الأخرى التي لا يجب أن يطلع عليها سوى الزوج فقط، وبالطبع فإن هذا الحديث من شأنه أن يفتح الباب أمام أحاديث أخرى قد يترتب عليها عواقب وخيمة فيما بعد، لذلك لا يجوز للرجال أن يبيعوا ملابس داخلية لسيدات، ونفس الأمر للسيدات، حيث يجب عليهن عدم شراء هذه الملابس من الرجال فهناك مئات المحال التجارية التي تعمل فيها سيدات، ومن الممكن أن يبتاعوا منهن ما شئن.

يتفق الشيخ محمد صادق ــ من كبار الفقهاء مع الرأي السابق؛ مشيرًا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه«ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما».

ويؤكد أن هذه الخلوة قد تتحقق في وجود أكثر من فرد في المكان، أو في الشارع من خلال تبادل النظرات، والحديث بين الرجل البائع والسيدة المبتاعة حول السلعة، وقد يتطرق الحديث إلى بعض الجوانب الخاصة بالسيدة، خاصة إذا كانت الملابس المباعة هي ملابس داخلية، وهذا يؤدي إلى الفتن التي حذرنا الرسول من الوقوع فيها.

صادق يطالب أصحاب المحال التجارية التي تبيع ملابس السيدات بجميع أشكالها سواء الداخلية أم الخارجية بتشغيل الفتيات أو السيدات كبائعات بقدر الإمكان، وعدم الاعتماد على الرجال كبائعين؛ حيث إن في ذلك غلقًا لأبواب قد تجلب ضررًا كثيرًا مما تدر منفعة.

آداب إسلامية

لكن د.سعاد صالح - أستاذ الفقه المقارن تقول أنه على الرغم من أفضلية قيام النساء ببيع ملابس السيدات الداخلية في المحال التجارية، إلا أن قيام الرجال ببيع هذه الملابس أمر جائز، وغير منهي عنه، خاصة إذا تعذر وجود بائعات.

وتؤكد أن العبرة في هذا الأمر تكون بالتمسك بالآداب الإسلامية عند البيع والشراء، موضحة أنه إذا قام البائع الرجل بالالتزام بتعاليم الإسلام ولم يتطرق إلى أحاديث قد تفتح أبوابًا للشيطان، ونفس الأمر بالنسبة للسيدة فإن هذا جائز، ولا غبار عليه، أما إذا تطرق كل من البائع والسيدة المشترية إلى أحاديث جانبية لا فائدة منها فهذا حرام، ومنهي عنه لأنه يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتن.

»إنما الأعمال بالنيات» هكذا يشير د.فايز خاطر - رئيس قسم العقيدة والفلسفة جامعة الأزهر، موضحًا أن قيام الرجل ببيع ملابس للسيدات جائز إذا التزم بتعاليم دينه، أما إذا لم يلتزم فهذا حرام، وهذا المبدأ ينطبق على كل شيء في الحياة.

ويرى خاطر أهمية أن يكون هناك محرم مع المرأة التي تشتري الملابس الداخلية المباعة من قبل الرجال حتى لا يجتمع رجل بامرأة في مكان مغلق، وكذلك حتى لا يتسرب الشيطان إلى نفوسهما.

مجرد بضاعة

بدوره يؤكد د.عبد الغفار هلال ــ العميد الأسبق لكلية الدراسات العربية أنه لم يرد نص يمنع الرجال من بيع ملابس السيدات، مشيرًا إلى أن هذه الملابس سواء كانت خارجية أم داخلية عبارة عن بضاعة تباع وتشترى، والذي يبيعها هو تاجر له أم وبنت وزوجة، وبالتالي يجب عليه أن يراعي ذلك عند بيعه لهذه الملابس إلى السيدات من خلال الالتزام بآداب البيع والشراء التي أكد عليها الإسلام.

ويرى هلال أنه من الأفضل أن تقوم المحال التجارية التي تبيع ملابس السيدات بتشغيل رجال وسيدات، وبالتالي فإذا كان الرجل يريد شراء هذه الملابس لزوجته فعليه أن يذهب إلى البائع، وإذا أرادت سيدة أن تشتري لنفسها هذه الملابس فمن الأفضل أن تشتريها من بائعة.

ويؤكد د.معاذ عبدالله - الأستاذ بكلية أصول الدين أن معاملات الرجال مع النساء فيما يتعلق ببيع وشراء الملابس النسائية، ولاسيما الخاصة منها حلال، طالما لم يرد نص صريح يحرم ذلك.

ومع ذلك - كما يضيف عبدالله - فإن هناك شروطًا يجب مراعاتها في الرجل الذي يعمل في بيع هذه الملابس للسيدات أهمها أن يكون الرجل مصدر ثقة بين الناس، وأن يكون ملتزمًا بتعاليم دينه التي تؤكد على حسن اتباع آداب البيع والشراء خاصة مع السيدات.

أما د. أحمد كريمة - أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر فيؤكد أنه برغم اتساع عمل المرأة في مختلف المجالات في كثير من الدول الإسلامية، إلا أن هناك مجالات في بعض المجتمعات لم تتطرق إليها النساء حتى اليوم، ومن هذه المجالات بيع الملابس الداخلية للنساء في بعض المحال التجارية ببعض الدول الإسلامية، خاصة أن هناك كثيرًا من المحال التي تقوم ببيع ملابس رجال ونساء، وهذه المحال قد لا يعمل بها إلا رجال فقط، وبالتالي قد تضطر السيدات للشراء من الرجال، وهذا أمر جائز طالما التزم الطرفان بآداب الإسلام.

ويشير كريمة إلى أن ما ينطبق على بيع ملابس السيدات ينطبق أيضًا على حياكتها، موضحًا أنه من الأفضل أن تقوم المرأة بحياكة الملابس لامرأة مثلها؛ فإن لم تتوفر أو لم تكن على المستوى المطلوب من الجودة؛ فإنه يجوز للرجل في هذه الحالة أن يقوم للمرأة بحياكة ملابسها، شريطة أن يحصل على المقاسات والمواصفات شفويا من فم المرأة، أو من أحد أقاربها وليس من خلال أخذ مقاسها، ومواصفاتها بنفسه، لأن ذلك قد يخدش حياء المرأة، وقد يفتح الباب أمام الفتن، خاصة إذا كانت هناك خلوة.

التمسك بالآداب

تؤكد سعاد صالح أن العبرة في هذا الأمر تكون بالتمسك بالآداب الإسلامية عند البيع والشراء، موضحة أنه إذا قام البائع الرجل بالالتزام بتعاليم الإسلام ولم يتطرق إلى أحاديث قد تفتح أبوابًا للشيطان، ونفس الأمر بالنسبة للسيدة فإن هذا جائز، ولا غبار عليه، أما إذا تطرق كل من البائع والسيدة المشترية إلى أحاديث جانبية لا فائدة منها فهذا حرام، ومنهي عنه لأنه يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتن.