كثيرا ما نرى أو نسمع عن بعض الحوادث التي نتوقف أمامها طويلا بقدر كبير من الحزن والأسف، ولكن عندما نرى أو نسمع عن عقوق بعض الأبناء بدون شفقة أو رحمة ،ترتجف الأبدان وتنقبض القلوب ـ ليس إشفاقا على الآباء المعتدى عليهم، ولكن على الأبناء العاقين الذين لا يدركون حجم الكارثة بارتكابهم أخطاء تعد من الكبائر.
غير أن هذه التصرفات غالبا ما تؤدى إلى اتخاذ بعض الآباء مواقف تجاه أبنائهم بحرمانهم من الميراث باعتبارهم عاقين أو لم يكونوا سندا لهم في كبرهم وعدم التزامهم بطاعة والديهم وغير مؤتمنين على المال ولا يستحقونه.
الدكتور عبد العظيم خير الله أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر رأى بعدم جواز أن يقوم الأب بحرمان ابنه العاق من الميراث، حتى وإن كتب الأب ذلك في وصيته، لأن توزيع الميراث شرع الله، ولا يجوز للعباد التدخل فيه.
وأضاف أن هبة أحد الأبناء على حساب الآخر اختلف فيه العلماء وذلك لحديث النعمان بن بشير عندما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه الشهادة في أنه يهب أحد أبنائه بعض المال على حساب الآخر فرفض النبي صلى الله عليه وسلم وقال:«إنه جور أشهد على هذا غيري» بل نصح الآباء أن يسووا بين الأولاد ليكونوا له في البر سواء، ولذلك اختلف العلماء في هذا الأمر على مذهبين، مذهب الجمهور وقد اتفق على أن هذا التفضيل مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنعمان أشهد على هذا غيري، ولو كان حرامًا لوضع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورفض أن يشهد عليه أي أحد.
التفضيل حرام
أما الفريق الثاني فقد ذهب إلى أن هذا التفضيل حرام وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:«لا أشهد على جور» أي ظلم، والظلم محرم.
غير أن خير الله في الوقت ذاته لفت أنه يجوز التفضيل في حالة ما إذا كان أحد الأبناء مريضًا، ولا يستطيع العمل، أو كان صغيرًا وبحاجة للكثير من الأموال لإكمال تعليمه، وزواجه، كما يحدث الآن حيث نرى العديد من الآباء يضعون مبلغًا من المال قبل تقسيم التركة لبعض أولاده الصغار مقابل تعليمهم وما غير ذلك، وهذا أمر جائز شرعًا ولا حرمة فيه، لأن باقي الأولاد قد تربوا وتعلموا وتزوجوا وكل هذا كان من أموال أبيهم، ولذلك أصبح هذا الشيء حقا لمن هم أصغر منهم.
يختلف معه في الرأي الدكتور محمد زناتي عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر والذي أكد أنه لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف حرمان الابن العاق من الميراث وذلك للقاعدة الفقهية«لا يحرم الحلال المعصية».
الاب .. السبب
وفسر زناتي رأيه هذا بأن الأب هو السبب فيما وصل إليه الابن من عقوق لأنه أهمل في تربيته، وتركه لمغريات العصور الحديثة ما أدى إلى سوء أخلاقه، ولذلك يجب على هؤلاء الآباء أن يستوعبوا الدرس جيدًا، ويربوا أبناءهم على الأسس الإسلامية الصحيحة، حتى لا يحدث ما نراه الآن من ضرب وسب وقذف وشتم الآباء، بل قد يصل الأمر إلى طردهم من منازلهم أو قتلهم، مشيرًا إلى أن هذا الابن العاق سوف يكون حسابه عسيرا عند الله، وذلك لأن أفظع وأكبر الذنوب بعد الشرك بالله هو عقوق الوالدين.
نفس الرأي يؤيده يوسف البدري عضو مجمع البحوث الإسلامية والذي قال بعدم وجود نص صريح يدل على حرمان الابن من الميراث، كما أن المولى عز وجل في كتابه العزيز بعد ذكره آيات الميراث يقول {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين}.
متغيرات عدة
وقال إن هذه الآيات توضح أن الله يطالب كل عبد بالالتزام بما جاء في آيات المواريث وعدم مخالفتها، ومن يتعد تلك الحدود أو الأوامر فله عذاب مهين.
ولفت البدري أن العصر الحالي أفرز متغيرات عدة، حيث نرى الكثير من الآباء الذين يوزعون تركتهم أثناء حياتهم، وقد يمنعون أحد أبنائهم من الميراث بسبب عقوقهم، وتساءل: ماذا يكون الأمر لو هدى الله هذا الابن، ورفض أخوته أن يتنازلوا له عن أي شيء من ميراث أبيهم؟ ففي هذه الحالة سوف يضيع الابن بسبب تسرع أبيه في تقسيم ثروته، ولذلك يقول المولى {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهما أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا}، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:«اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
وعلى نفس المنوال لا يجوز أيضًا للآباء تفضيل أحد الأبناء عن الآخر عن طريق الهيئة أو غيرها، إلا بموافقة باقي أخواتهم، وفي حالة رفضهم لا يجوز للأب إعطاء أحد أبنائه هبة على حساب الآخر.
إلى هنا كان للدكتور علي جمعة مفتي مصر رؤية أخرى، حيث يؤكد في سياق حديثه عن تلك القضية أن عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر وذلك لقوله تعالى {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما}.
غير أن جمعة هنا يتساءل: هل العقوق يعتبر مبررًا لتفضيل الابن البار على الابن العاق؟ لافتًا إلى أن هناك قولين للفقهاء في هذا الأمر.. القول الأول أنه لا يجوز تفضيل الابن البار وبه قال مشايخ الحنفية المتقدمون، والثاني يجوز تفضيل الابن البار على العاق وبه قال المتأخرون من الحنفية، وهو قول الظاهرية والمالكية والشافعية بل إن الشافعية ومتأخري الحنفية وابن قدامة ومن وافقه من الحنابلة أجازوا حرمان الابن العاق والفاسق مطلقًا.
مشيرًا إلى أن الرأي الراجح هو الرأي الثاني، فيجوز تفضيل الابن البار وحرمان العاق مطلقًا بشرط أن لا يكون العقوق بسبب من جهة الوالدين، لافتا أن هذا يحدث كثيرًا الآن من بعض الآباء، أما إذا تحقق العدل من الآباء بين الأبناء، وجاء بعد ذلك العقوق، كان من حق الوالدين منع هؤلاء الأولاد من الميراث.
