يستطيع المربون اغتنام فرصة شيوع الأفكار الخرافية التي كانت قبل الإسلام كأنها مسلمات عقائدية، فيبددونها كما بددها الإسلام بنوره وطاردها لتتوارى في زوايا الجهالة والنسيان.
وكمثال على ذلك فكرة التطير والتشاؤم من شهر صفر، التي كانت رائجة وذائعة عند أهل الجاهلية، وجاء الإسلام بنفيها وتكذيبها بقول النبي صلى الله عليه وسلم :« لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر«..!!
وهذا الحديث آية من آيات الإعجاز يشهد له العلم الحديث، إذ هو ينفي حدوث العدوى، بمعنى انتقال المرض بذاته من المريض إلى غير المريض، وتأثره به إلا بقدر من الله ومشيئته، فقد أثبت العلم الحديث أن بعض الناس قد تحمل أجسامهم أسباب الأمراض، أي الفيروسات والميكروبات، دون فاعلية لفترة قد تصل إلى عشرين عاما، وغيرهم تظهر عليهم أعراض المرض فجأة، ونفي العدوى هنا هو بيان لنفي فاعلية الميكروب بذاته دون مشيئة الله، وإنما يجب أن يستقر في الحسبان أن المرض بمشيئة الله والشفاء بمشيئة الله أيضا، ولذلك حينما احتج الصحابة رضوان الله عليهم بما يرونه من انتشار مرض الجرب بين الجمال إذا وجد فيهم جمل أجرب، فيقول لهم النبي ؟ صلى الله عليه وسلم:« فما أعدى الأول ؟؟!!«.
والطيرة تعبير عما كان شائعا في الجاهلية من عقائد، تولد التشاؤم لمجرد رؤيته طيورا بعينها أو أصواتا بعينها أو أناسا ذوي احتياجات خاصة، أو أياما أو أزمانا بعينها أو أماكن بذواتها، مما يجعلهم إن كانوا يريدون سفرا رجعوا عنه مخافة الشر، الذي يرونه هو السبب الفعلي الجالب للشر الذي توقعوه فجاء الإسلام بنفي هذه العقيدة، وما يتفرع عنها، مثل تشاؤمهم من شهر صفر، فكانوا يتطيرون منه لأنهم حدث لهم مكروه فيه يوما فظنوا كل صفر نذيرا بشؤم، فنسبوا إليه الشر دائما، فالنبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ نفى أن يكون للشهر أثر في إحداث الشر، لأنه لا مؤثر في الكون إلا الله وحده..!!
وقوله ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ :« ولا هامة« أيضا نفي إسلامي لخرافة جاهلية، تزعم أن القتيل إذا قتل جاء طير يهيم على قبره، يظل كذلك لا يهدأ حتى يتم الثأر له ممن قتله، وكانت هذه العقيدة سببا في استمرار الثارات والحروب والنيران المشتعلة بين العرب قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام انقشعت هذه الظلمات والجهالات، وحلت عقائد صحيحة تناسب الدين الخاتم الذي حرر الناس من ربقة الجهالة وأنار فيهم العقل والنفس..!!
وبنى الإسلام في الإنسان عقيدة نظيفة قوية ترفض التردد، وسوء الظن بالله وهذا رسول الله ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ يقول : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، استعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان».
بقلم:علي عيد