إن الحياء خلق يبعث على فعل كل الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة والقبيحة، وهو من صفات النفس الطيبة، وهو رأس مكارم الأخلاق وزينة الإيمان. ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خُلقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء»، وقال وهب بن منبه: «الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء».

وقد أمر الإسلام بالتخلق به وحث عليه، بل جعله من الإيمان، ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، وفي الحديث أيضًا: «الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر».

ويقول عز وجل: «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم»، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له. وظاهر الآية يقتضى أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ؟ ولكن مع اقتصاد ؟ إن كان مؤمناً فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا وإن كان كافراً فليرسل لسانه وليده بما شاء من الهلكة وبكل دعاء.

إن الجهر بالسوء من القول سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى الله وشيوع هذا السوء كثيراً ما يترك آثاراً عميقة في ضمير المجتمع. كثيراً ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالباً.. وكثيراً ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة.

فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه، وسهل على النفوس أن تسمع بل أن ترى ولا تثور للتغيير على المنكر.

ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم وقد يكونون منه أبرياء ؟ ولكن قالة السوء حين تنتشر وحين يصبح الجهر بها هيناً مألوفاً فإن البريء قد يتقول عليه من المسيء ويختلط البر بالمسيء بلا تحرج ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء.

إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية سباً وقذفاً وينتهي انحلالاً اجتماعياً وفوضى أخلاقية تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفراداً وجماعات وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض وقد شاعت الاتهامات ولاكتها الألسنة بلا تحرج لذلك كله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول.

ويكره أن تشيع قالة السوء بين المسلمين واستثنى من وقع عليه ظلم فأعطاه وحده حق الجهر بكلمة السوء يصف بها الظالم ليدفع عنه الظلم في حدود ما وقع عليه منه وفي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء؟ ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف؟ انتصاراً من ظلم ودفعاً لعدوان ورداً لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته وتشهيراً بالظلم والظالم في المجتمع لينتصف المجتمع للمظلوم وليضرب على يد الظالم وليخشى الظالم عاقبة فعله فيتردد في تكراره.

رجاء علي