تبدو قيمة التقوى الكبرى في استتباب الأمن الاجتماعيّ حيث يقول الحق تبارك وتعالى: «يا أيُّها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً» (الأنفال/29).. أي معياراً تفرّقون به وبوساطته بين الحقّ وبين الباطل، والخير والشرّ، والانحراف والاستقامة.. والصحيح والخطأ.

كما أن المقياس الأساسي للتفاضل في الثواب عند الله، هو التقوى فقط، من دون بقية الأمور الأخرى من اختلاف الجنس أو اللون أو الإثنية.. ويتضح ذلك بجلاء من قوله تعالى «إن أكرمكم عند الله اتقاكم.. » الحجرات 13 والأمر بملازمة التقوى، أمر باتباع كل خير، ومجانبة كل شر.. إذ إن التقوى بمفهومها اللغوي ومدلولها الشرعي ـ لا تحتمل غير هذا المعنى، فهي مأخوذة من الوقاية بمعنى الحفظ، والإنسان لا يقي نفسه ولا يحفظها إلا إذا أتى بما أمر الله به من فضيلة، واجتنب ما نهى الله عنه من رذيلة وفي هذا سمو للنفس، وعروج بها في معارج القدس والكمال، يضاف إلى ذلك قوة إرادة ومضاء عزيمة لحمل النفس على الاضطلاع بالتبعات والتكاليف.

وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله).

والآية الكريمة (فاتقوا الله ما استطعتم.. ) التغابن 16 يقصد بها الحث على التقوى على قدر المستطاع أي: لا تدخر وسعا في تقوى الله ولكن الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه ويستفاد من قوله (فاتقوا الله ما استطعتم) ان الإنسان إذا لم يستطع أن يقوم بأمر الله على وجه الكمال فإنه يأتي منه على ما قدر عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فرتب الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة بحسب الاستطاعة وبأن يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب..

التقوى إذن منوطة بالاستطاعة فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فإنه يعد إلى ما يستطيع ومن اضطره إلى شيء من محارم الله حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة لقوله تعالى (وقد فصل لك ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) الأنعام ,119.

حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير أو أكل الحمار أو غيره من المحرمات فإنه يجوز له أن يأكل منه ما تندفع منه ضرورته.. يعني أن تتقي الله ما استطعت لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).

أحمد عبد المجيد