لأن عدداً من أفراد قريته غادروا إلى الخارج وحققوا بعض النجاحات، فقد قرر هو الآخر أن يجرب حظه لكن العقبة الوحيدة التي كانت تقف أمامه هي المال فلم يكن لديه المال الكافي ليعطيه لإحدى الشركات حتى توفر له فيزا الدخول ثم العمل، فكر في الأمر كثيراً.

وأخيراً قاده تفكيره لأن يطلب من أمه أن تبيع جزءاً من الأرض التي تركها له والده ولإخوته بعد وفاته، لكنه كان خائفاً ان يفاتح أمه في ذلك فكل أهالي القرية يستنكرون عملاً كهذا وذلك لإيمانهم بأن الأرض مثل العرض يجب عدم التفريط بها مهما كانت الظروف، وأخيراً فاتح أمه واعداً إياها ومقسماً لها بأغلظ الإيمان بأنه سيسترد هذه الأرض من جديد حتى لو دفع فيها ضعف المبلغ. ورغم تذمر أمه واستنكار إخوته وأقاربه تم بيع جزء من الأرض حيث استطاع «ك» أن يدفع لإحدى الشركات المبلغ المطلوب ويحصل على فيزا الدخول.

تسلم العمل

كان «ك» يجيد مهنة النجارة وكان بارعاً جداً فيها فقد أخذ هذه المهنة من والده ورغم أن تحصيله العلمي لا يتجاوز المرحلة الإعدادية إلاّ أنه كان ماهراً في تفصيل الموبيليا، وفي ابتكار موديلات تناسب جميع الأذواق، لذا عندما تقدم إلى إحدى ورش النجارة أعجب به صاحب المنجرة وعينه فوراً.

بدأ «ك» حياته العملية في الورشة بجد ونشاط ولأنه كان يحب عمله فقد كان يحضر للورشة قبل موعد العمل بساعة أو ساعتين ولا ينصرف منها إلاّ بعد إنجاز معظم العمل ما جعل صاحب الورشة يثق به ثقة كبيرة وخلال أقل من عام أصبح «ك» مسؤول الورشة الأول (فورمان) ما ضاعف من مرتبه، وخلال أقل من عامين كان «ك» قد جمع مبلغاً من المال أرسله إلى والدته لتستعيد قطعة الأرض التي كانت باعتها من أجل أن توفر له المال الخاص بالسفر.

فرحت الأسرة كثيراً بالنجاح الذي حققه «ك» حتى أن ذلك دفع أمه لأن تجرؤ وتذهب إلى بيت عمدة القرية وتطلب يد ابنته لابنها «ك»، ورغم أن هذا لم يكن ممكناً في السابق إلاّ أن سمعة «ك» الطيبة واستعادته لأرضه التي باعتها أمه جعلت العمدة يقبل زواج ابنته منه.

عندما زفت الأم خبر خطبتها ابنة العمدة إلى ابنها «ك» طار فرحاً بذلك فمجرد موافقة العمدة على ذلك يعد إنجازاً عظيماً في حياته وحياة أسرته، ففي السابق كان مجرد الحديث عن هذا الأمر يعد من المحرمات، وربما يستوجب طرد الأسرة كلها من القرية، لكن الآن كل الأمور تغيرت وأصبح «ك» محط احترام العمدة ذاته وهذا بالطبع سيعطيه وضعاً اجتماعياً خاصاً عندما يعود إلى قريته.

بدأ «ك» يجتهد وكلما جمع مبلغاً من المال ذهب إلى السوق واشترى قطعة من الذهب وذلك كي يقدمها إلى ابنة العمدة عندما تزف إليه، كانت مسألة زواج «ك» من ابنة العمدة تشغل كل تفكيره رغم أنه لم يرها في حياته، فالقوانين في القرية تُحرم على الرجل أن يرى المرأة التي يريد أن يتزوجها ولا يحق ذلك إلاّ لأمه أو لأخته.

دعوة إلى العشاء

في أحد الأيام دعاه صديق له يعمل في ذات الورشة كي يذهبا معاً لتناول العشاء في مدينة مجاورة، لكن «ك» رفض ذلك بحجة أنه لا يريد أن ينفق ماله في أشياء غير ضرورية، لكن الصديق قال له انه هو الذي سيتكفل بفاتورة العشاء وأجرة التاكسي عند ذلك وافق «ك» على الدعوة.

انطلق الصديقان إلى أحد المطاعم المتواضعة وتناولا طعام العشاء، بعد ذلك ذهبا يتمشيان في الشوارع حيث شاهدا بعض الفتيات اللواتي كُن يتجولن هنا وهناك، كانت هذه أول مرة يرى فيها «ك» مثل هؤلاء النسوة، فأبدى إعجابه بجمالهن، وقال له صديقه يمكن لأي واحدة منهن أن تكون لك أن أردت مقابل مبلغ من المال استنكر «ك» هذا القول، وقال لصديقه بأنه لا داعي لأن تهزأ بي فقال له صديقه بأنه لا يهزأ به وإنما يقول الحقيقة وأن له خبرة في هذا المجال.

فكر «ك» بعض الشيء وأخيراً قرر أن يخوض التجربة، كانت هذه هي التجربة الأولى في حياته، أحس خلالها بمشاعر غريبة لم يعهدها من قبل لذا عندما رجع إلى غرفته لم يستطع أن ينام حيث كان يصرخ في أعماقه من الفرح. في الأسبوع الذي تلا ذلك ذهب «ك» مع صديقه إلى ذات المكان وحدث في المرة الثانية ما حدث في المرة الأولى، أحب «ك» هذه الزيارات وبدأ يتحين الفرصة كي يعود إلى ذات المكان من جديد.

مشروع زواج

اعتاد «ك» الذهاب إلى ذاك المكان وفي إحدى الليالي صادف فتاة جميلة وقف «ك» مشدوهاً أمامها وبعد أن أمضى معها وقته أخذ رقم هاتفها النقال، واحتفظ به وضمه إلى صدره وكأنه كنز من اللؤلؤ. عندما عاد إلى غرفته قام بالاتصال بالفتاة لكنها لم ترد عليه اتصل مرة ثانية وخامسة وعاشرة، ولكن دون جواب، جُن جنونه عندما تخيلها بأنها مع رجل آخر، ودون أية مقدمات أخذ سيارة أجرة وانطلق إلى حيث الشقة.

عندما قرع الباب وسأل عنها لم يجدها لذا قام بانتظارها أسفل البناية وعندما عادت أمسك بها وبدأ يصرخ في وجهها معاتباً إياها على عدم ردها على مكالماته، فقالت له بأنها كانت مشغولة هنا اشتعلت الغيرة في قلبه ورأسه وكل كيانه وطلب منها ألا تذهب مع أي رجل آخر، وأن تكون له وحده، فقالت له انها لا تمانع في ذلك إن استطاع أن يوفر لها عيشة كريمة وسكناً مستقلاً ومبلغاً من المال ترسله إلى أهلها، فأهلها يعرفون انها تعمل في إحدى الشركات السياحية وليست «ابنة ليل».

فكر «ك» فوجد ان كلامها منطقي وأنه إذا أراد أن يحتفظ بها فعليه أن يُضحي من أجلها، عاد «ك» إلى غرفته يفكر بطريقة يحتفظ بالفتاة «س» لنفسه دون سواه، لذا قرر أن يراها في اليوم الثاني وهكذا فعل، حيث أخبرها انه يحبها ويريد الزواج منها، وقبل أن تُجيب أخرج من جيبه خاتماً واسورة من الذهب كان اشتراهما لابنة العمدة، وقال لها إذا وافقت على الزواج مني فسأحضر لك أموالاً وذهباً كثيراً. أخذت «س» الهدية وحتى لا تُغضب «ك» أغلقت هاتفها النقال حتى لا يتصل بها أحد في وجوده.

ذهب «ك» و«س» إلى قهوة مجاورة ليتحدثا في العرض الذي عرضه عليها، تحدثت «س» طويلاً شارحة له ظروفها كما حاولت أن تُفهمه بأنها غير مطمئنة لعرضه وذلك لأنه سيأتي اليوم الذي سيذكرها فيه بأنها كانت «فتاة ليل» ثم أن غيرته عليها ستجعله دائماً يشك في تصرفاتها حتى ولو تابت بلغة انجليزية ركيكة حاول «ك» أن يقنعها بأنه يحبها وأنه لا ينام الليل من كثرة التفكير فيها وأنه على استعداد لأن يصفح عن ماضيها وأن يقدم لها كل ما تريد من مال.

وافقت «س» من حيث المبدأ وقالت له انها تريد أن يوفر لها شقة خاصة بها وينفق عليها، وافق «ك» على ذلك وأخبرها ان الشقة ستكون جاهزة في القريب العاجل وانه سيتزوجها فور تجهيز الشقة. عندما فكر «ك» في دخله الشهري وجد انه قليل جداً مقارنة مع إيجار الشقة الذي سيدفعه، بالإضافة إلى الإنفاق على زوجته لذا قرر أن يستدين مبلغاً من البنك لكنه وجد أن هذا الحل غير مجدٍ لأن معظم مرتبه سيذهب إلى أقساط البنك، عندها لن يكون معه مال كافٍ، لذا عدل عن هذه الفكرة وبدأ يفكر في طريقة أخرى.

السفر إلى بلاده

بعد تفكير طويل قرر «ك» أن يذهب إلى بلاده حيث سيحاول إقناع والدته وإخوته بأن يبيعوا قطعة الأرض الخاصة به بحجة أنه يريد أن يبدأ مشروعاً خاصاً به وهو عبارة عن منجرة كبيرة. عندما بدأ «ك» يفاوض أسرته على بيع قطعة الأرض لم يجد صعوبة كبيرة في إقناعهم بذلك فهم يثقون به كل الثقة فقد سبق وأن استعاد الأرض التي باعها بعد فترة. لذا لا غرابة أن يفعل الشيء ذاته هذه المرة أيضاً.

عاد «ك» من قريته بمبلغ لا بأس به إلاّ أن هذا المبلغ لم يكف إلا لاستئجار الشقة لمدة «6» أشهر حيث قام بتأثيثها بشكل جيد. استنزف «ك» جميع الأموال التي أحضرها معه من القرية لذا اضطر للاستدانة من بعض الأصدقاء، بدأ «ك» ينشغل عن الورشة وفي أحيان كثيرة لا يأتي أبداً، لذا قرر صاحب الورشة طرده من العمل ما أضاف عبئاً جديداً عليه. انقضت الأشهر الستة وبدأ صاحب البناية يطالب ببقية الأجرة لكن «ك» لم يتمكن من ذلك، وهنا هدده صاحب البناية بأنه سيطرده إذا لم يسدد بقية المبلغ خلال «20» يوماً.

طلب «ك» من صاحب البناية إمهاله شهراً، وبعد ذلك سيدفع له كل ما يريد، في هذه الأثناء كان «ك» يخطط للحصول على مبلغ كبير من المال فهو يعرف انه إذا خسر الشقة فانه سيخسر معها «س»، لذا كان متمسكاً ببقاء الشقة معه حتى آخر لحظة. بعد تفكير عميق قرر أن يعود إلى أسرته في القرية وأن يُقنع أمه وإخوته ببيع الأرض التي تخصهم وبعض الأبقار وذلك لأنه يريد أن يشتري معدات لورشة النجارة التي أسسها ولكي يقنع إخوته وأمه ببيع الأرض قال لهم انه سيكون لهم نصيب في الورشة التي ستدر عليهم خيراً كثيراً وتجعلهم يسكنون المدينة بدلاً من القرية.

ولكي يُمعن في إقناعهم كان قبل سفره إليهم قد طلب من أحد أصدقائه عمل أوراق على الكمبيوتر باسم ورشة تحمل اسم والده إضافة إلى جملة مكتوبة بخط عريض الورشة بإدارة «ك» وإخوته «فلان وفلان وفلان» حيث وضع أسماء إخوته على تلك الأوراق. بهذه الأوراق استطاع «ك» إقناع إخوته وأمه بأنه سيجلب لهم الخير الكثير، وقال لإخوته انه من خلال الورشة وأسمائهم الموجودة على الأوراق الخاصة بالورشة سيتمكن من إحضارهم عنده، حيث سيعملون معه وهكذا ستتغير حياتهم إلى الأفضل ولكن عليهم من أجل تحقيق ذلك بيع الأرض وإعطائه المال ليشتري المعدات اللازمة لورشة النجارة.

استغل «ك» بساطة إخوته الذين سارعوا إلى بيع أرضهم وكذلك فعلت أمه حيث باعت بعض الأبقار لتساهم في مشروع أبنائها الجديد، عاد «ك» ومعه المال وكان أول شيء فعله هو أن دفع الأجرة المتأخرة على الشقة، وبعد ذلك انصرف «ك» يستمتع مع «س» في المطاعم والفنادق. وأخيراً تنبه فجأة إلى أن أمواله قد نفدت حتى أنه لم يجد ما يشتري به الطعام. بدأت «س» تطلب من «ك» الطعام والمال لترسل إلى أهلها كما اتفقت معه لكن «ك» لم يعد قادراً على ذلك، عندها بدأت المشاكل تدب بينهما، قرر «ك» أن يبحث عن عمل، لكن المبلغ الذي كان يُعرض عليه كان قليلاً مع احتياجاته.

في هذه الأثناء جاء موعد استحقاق أجرة الشقة من جديد ولكي لا يقع «ك» في مشاكل مع صاحب البناية ترك الشقة وأخذ «س» إلى بيت أحد أصدقائه المتزوجين طالباً منه أن يستضيفها عنده «24» ساعة فقط حتى يتدبر أمره.

لم توافق «س» على ذلك إلاّ أنه أقنعها أن الأمر مؤقت وأن الوقت الذي سيغيبه لن يتجاوز الـ «24» ساعة، ذهب «ك» بعد أن ترك «س» عند أسرة صديقه ولكنه لم يعد كما قال لها خلال «24» ساعة، وبعد ثلاثة أيام تركت «س» منزل الأسرة وعادت إلى الشقة التي كانت تعمل فيها أول مرة بعد نحو أسبوع عاد «ك» إلى بيت صديقه فلم يجد «س» هناك وعرف أنها تركت البيت منذ أيام عدة، فجن جنونه وذهب من فورة إلى الشقة التي عرف «س» فيها حيث وجدها مع مجموعة من النساء.

طلب «ك» من «س» أن تترك المكان وتذهب معه إلاّ أنها رفضت ذلك فحاول إقناعها بشتى الطرق لكنها طلبت منه شقة خاصة بها كشرط لعودتها إليه، وعندما أخبرها انه لا يستطيع في الوقت الحاضر طلبت منه أن يتركها في حالها قائلة له ان كل شيء بينهما قد انتهى.

لم يصدق «ك» ما يسمع فكيف له أن يتركها بعد أن خسر من أجلها أرضه وأرض إخوته وبقرات أمه وبنت العمدة، إضافة إلى ذلك فهو يحبها بجنون ولا يستطيع أن يتخيل انها ستكون مع رجل غيره، فما كان منه إلاّ أن ذهب إلى السوق واشترى ساطوراً كبيراً، حيث أخفاه تحت ثيابه ثم عاد إلى حيث «س» حاول «ك» أن يقنعها أن تذهب معه لكنها رفضت بشدة وطلبت منه أن يغادر فوراً فما كان منه إلاّ أن أخرج الساطور وهوى به بقوة على رأسها، ابتعدت «س» قليلاً عن الساطور وبدلاً من أن يصيب الساطور رأسها قطع ذراعها من الكتف حيث انفصل كتفها عن جسدها كلياً، وبدأ الدم ينزف منها بغزارة.

بدأت النسوة اللواتي كُن معها في الغرفة بالصراخ حيث قامت إحداهن بالاتصال بالشرطة التي حضرت على الفور حيث تم نقل «س» وذراعها المقطوع إلى المستشفى. أما «ك» فبعد أن ضرب «س» جلس صامتاً على الدرج وقد غطت الدماء كل ثيابه، عندما اقتاده رجل الشرطة لم يُبد أية مقاومة فقد كان شارد الذهن بعيداً يفكر في مصيره المجهول ومصير إخوته الذين أمنوه على أموالهم، ثم كيف سيكون حالهم بعد أن يعرفوا الحقيقة وقد خسروا أرضهم وكل شيء لهم، أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهنه لم يفق من هولها إلاّ عندما وقف أمام الضابط ليدلي بأقواله.

إعداد ـ أحمد سلطان