طغى أسلوب قصيدة النثر على الأمسيات الشعرية في اليوم الأخير من مهرجان دبي الدولي للشعر، وقد تنافس شعراء الأمسيتين على مسرح الجميرا باطلاق تلاوين متعددة من هذه القصيدة وحلق فيها هؤلاء الشعراء بإبداعاتهم الشعرية.

فبعد وول سوينكا التي رافقته الفنانة اللبنانية نضال الأشقر في الإلقاء كان الشاعر التونسي الحبيب الأسود شعبياً في أسلوبه وفصيحاً مرة ثانية وغزلياً وهلالياً، حاول أن يوائم بين الاثنين بقصائد قصيرة قامت على العاطفة والوجدان، مستلهمة أنماطاً وصوراً معتادة في هذا النوع الشعري المألوف، على أن الإماراتي محمد بالعبد كان أكثر تماساً مع العاطفة والوجدان في مجمل قصائده النبطية (كسرة الوادي ـ منطاد ـ أيقونة الحسن) ونظنه استحوذ على المتلقي الخاص لشعره بطريقة أدائه وحشد صوره الشعرية المتراكمة. الشاعر الإندونيسي أغوس أر. سارجونو الذي واكب التحولات السياسية في بلاده اندونيسيا قرأ عدداً من قصائده المطولة بدأها بقصيدة (مذكرات يومية غير منشورة) وواضح أن هذا الشاعر يمتلك نفساً طويلاً في الأداء الشعري وقدرة على الإفاضة بموضوعه الشعري، لاسيما السياسي منه، وإن بدا الوجداني والعاطفي يستحوذ على مخيلته الشعرية.

أما الشاعر اللبناني شوقي بزيع فكانت قامته الشعرية طويلة بمجمل قصائده التي قرأها (في ذلك الركن القصي من الكتابة حيث افشلُ في تعقب فكرة هربت من الإيقاع يحدث فجأة أن تدخل امرأة إلى المقهى وتجلس تجاه البحر.. لم تتجشم التحديق في الجلساء.... ) وهذه القصيدة انبنى معمارها على (قصة) فكانت القصيدة ـ القصة في تلوين نثري تمكن منه الشاعر بزيع بأداء شعري رفيع، فيما كانت قصائده الأخرى (الأعمال الكاملة) و(الشاعر) و(البيوت) و(قمصان يوسف) تنويعات شعرية ونثرية شدّت مخيلة الحضور إلى قصيدة النثر . اليمني ماجد الجبري استهواه الشعر النبطي قبل أن يقرأ قصائده الفصحى، فيما ظل الشاعر خيري منصور يتلاعب باللغة والمفردات في قصائده التي قرأها (هذه الأرض تفاحة في فمي) وفي «نعاس أزلي» كان الشاعر وصّافاً وشارحاً (لم أنم منذ خمس نساء وتسع مدن ـ سريري ساقاي ـ مائي دمي ـ أمامي عمود تقمصني... وورائي رماد السفن.. أنا شبه جزيرة نفسي وذاكرتي اليابسة).

وشهدت الأمسية الأخيرة في مهرجان دبي الدولي للشعر على مسرح الجميرا طغياناً لقصيدة النثر، حيث ألقت الشاعرة الإماراتية هدى السعدي مجموعة من القصائد تميزت بالحس الوجداني واللغة السهلة التي تستخرج مفرداتها من اليومي، وبدوره فقد ألقى الشاعر اللبناني عبده وازن مجموعة من قصائده، استهلها بقصيدة عن حرب يوليو التي تعبر عن موقف إدانة لهذه الحرب التي كان الأبرياء ضحاياها، أما قصيدته الأخرى عن السجناء، إضافة إلى قصائد تميزت بالخفة والحبكة المدروسة واللمعة الملفتة. أما الشاعرة الإماراتية ميسون القاسمي، فقد شذت عن الأصوات الشعرية النسائية الخليجية التي مرت على أمسيات المهرجان، التي جعلت همها الأول توجيه العتاب للرجل الذي لا يهتم بعطرها وبخورها المعتق ويتعامل معها كقطة شاردة، فقد خرجت ميسون القاسمي إلى فضاء الشعر الذي يسبر النفس البشرية حيث تفوقت كثيراً وأجادت بقصيدتها التي أقامت فيها مقارنة جريئة بين أمها وأم الآخرين. واعتبرت أن الناس هم الناس لا يختلفون بالأشكال والألوان، بل بالتعامل الصادق والنقي.

وأخيراً ألقى الشاعر العماني سيف الرحبي مجموعة من قصائده التي انتقاها من مجموعته الشعرية المطبوعة «بولاق الدكرور»، تمتاز بتلوين نثري مجدد، حيث ينهل من نبع الأسطورة لكي يغرد على جناح الشعر المحلق.

دبي ـ وارد بدر السالم