كتب أورتيجا غاسيت ذات يوم «أنا نتاج نفسي وبيئتي». حين وضعت يدي على مجموعة القصائد التي نظمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أدركت على الفور أنني أمام شهادة من شخصية سياسية عامة، كما أدركت أيضا أنني أمام إنسان بكل ما يختلجه من مشاعر وتطلعات، وكان هذا الإدراك سبباً لقبولي تلك الدعوة، حيث عرفت أنه ستوجب على التعامل مع الأسئلة التي تجول في خلد إنسان وليس فقط في ذهن حاكم، رجلٌ يحمل بعض الأسئلة التي يتعايش الكثير منا معها في يومنا هذا، ويعيش في عالم تملؤه العديد من علامات الاستفهام حول المستقبل.

ولكن ما الذي يدفع المرء للإمساك بالورق والقلم ليشرع في الكتابة؟ أعرف أن السؤال قد يبدو ساذجا، خصوصا كوني كاتبا لم يوفق على الإطلاق في إيجاد إجابة شافية له. إلا أن هذا التساؤل لطالما ساورني، وعندما قررت أن أخطّ هذه المقدمة لديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ما لبث أن طاف بخاطري مرة أخرى.

إن كل الطاقة التي يستنفدها المرء في التفكير يتم اختزالها فعليا في سن القلم، ويمكننا بالطبع أن نستبدله في هذا التشبيه بلوحة طباعة الحاسوب، أو حتى قلم الرصاص، وعلى الرغم من عدم معرفتي بالأداة التي يستعين بها سموه في الكتابة، إلا أنني أستطيع أن أتصوره في مخيلتي مستخدماً القلم وذلك لأنه أكثر الأدوات انسجاما مع مستوى الرومانسية والعمق الفكري الذي تتسم به قصائده.

فالقلم يكتب الكلمات، والكلمات في واقع الأمر تركز الأفكار، وفي حين يكون الورق مجرد عنصر مساعد للفكرة، يبقى القلم امتدادا ليد الشاعر وأفكاره وتطلعاته؛ لكنه يستخدم أيضا في إصدار المراسيم ويحفزنا على الحلم، ويكون سببا لإرسال الأخبار، وتتبع مفردات الحب، لذا فالدوافع التي تحرك القلم تبقى على قدر كبير من الأهمية.

واليد هي النقطة التي تتوحد فيها عضلات الجسد مع نوايا الشخص الذي يقوم بالكتابة، كذلك مع كل المجهود الذي يبذله الكاتب لمشاركة مشاعره مع الآخرين. واليد ليست فقط جزء من ذراع الكاتب ولكنها تعتبر بمثابة التجسيد الحسيّ الملموس لفكره ووجدانه. فالكاتب أو الشاعر لابد وأن يحمل القلم بنفس القدر من الاحترام الذي يحمل به عازف الكَمان قوسَه وكمانَه.

لقد أدهشتني معرفة أن صاحب السمو قد نظم مجموعة من القصائد، حيث ما لبث أن سكنني الفضول للتعرف على الكلمات التي تنساب من رؤيته، وقد عكفت على قراءة تلك القصائد بشغف فور تسلمها وأنا مدرك لحقيقة أن ما بين يدي هو تجسيد لروحه وقلبه معا.

بعض القصائد ضمن هذه المجموعة تعكس مكانة وسلطة سموه بأمانة. فقصيدته الأولى «عتاب أم» تجسد مسؤوليات الحاكم الواعي لكفاح شعبه والمهتم إزاء أولئك الذين يفتقرون إلى الدعم.

ومن واقع أن الإنسان هو نتاج «ذاته وبيئته»، تأتي القصائد التي أهداها سموه لفقيد الأمة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لتعكس مدى حبه وتقديره للقائد الراحل. كذلك يبدو جليا أن المقياس الحقيقي للإنجازات بالنسبة إلى سموه يقوم على مبادئ العدالة والتسامح والرؤية. وليست دولة الإمارات العربية المتحدة إلا دليل حي على إرث هذا النوع من الجهد والإبداع.

هناك مقتطف مهم في قصة «ألف ليلة وليلة» يروي حكاية الخليفة هارون الرشيد الذي قرر بناء قصر يظهر من خلاله عظمة مملكته. فجمع أفضل الأعمال الفنية وتصاميم أروع الحدائق وقام شخصيا بانتقاء السجاد والرخام. وكان إلى جانب الأراضي التي تم اختيارها لبناء القصر، مسكن قديم، فسأل الرشيد وزيره ليقنع المالك - الذي كان يشتغل بالنسج والحياكة - ببيع المنزل كي لا يتم هدمه.

حاول الوزير جاهدا من دون جدوى إقناع الرجل العجوز الذي رفض التخلي عن مكانه. وعند بلوغ الخبر معاوني الرشيد قرر مجلس المحكمة طرد الرجل من منزله إلا أن الرشيد رفض قائلا:» لا، دعوه حيث هو ليصبح فيما بعد جزءا من الإرث الذي سأتركه لشعبي. فعندما يزورني الناس سيقولون إن هذا الرجل بذل جهدا ليظهر جمال تراثنا وثقافتنا». وأضاف: «وعندما يشاهدون المسكن سيقولون إن بقاءه بالقرب من القصر ليس إلا احتراما للآخرين وتقديرا لهم».

وتأتي قصائد سموه في هذا الكتاب لتكشف عن شخصية الحاكم الحالي وتأخذ القارئ في رحلة إلى أماكن مجهولة.

ما هذه الشجاعة! عبارة قلتها في نفسي وأنا أقلّب صفحات هذا الكتاب- أن يكشف الإنسان روحه أمام العالم لهو أمر بمنتهى الشجاعة. فالشعر مرآة تكشف جوهر المخلوق الإنساني من دون تنازلات. وها أنا أقرأ كلمات رجل يتمتع بمكانة متميزة في الساحة السياسية ويشغل منصبا يتطلب منه أن يكون دائم العدل والتوفيق.

ولكن كيف للمرء أن يكبح جماح المشاعر والأفكار المتأججة في وجدانه وأن يوفق فيما بينها، ولحسن الحظ، فإن صاحب السمو لم يحاول أن يقمع هدير مشاعره القوي، وعلى العكس، ففي العديد من قصائد الحب التي نظمها لا يحجم عن إبراز شكوكه ولهفته كشاعر لخوض تلك المشاعر كاملة، وهو يدرك أن الحب قوة بإمكانها أن ترفع من شأننا أو تحطيمنا، وأن تأخذنا من الجنة إلى الجحيم في ثوان.

إن قصائده في العشق مسكونة بالصور الشعرية المرتبطة بالصياد: مفردات الأسود والغزلان والمها التي تجوب حرة طليقة في فضاءات المشاعر. لهيب لوعة الحب المستعرة في جفون الليل الساهر، فمن الجلي أن صاحب السمو طالما يلجأ إلى الصفحات البيضاء ليجد لنفسه ملاذاً يأنس فيه بصحبة الكلمات.

ولكن لا تعطي لنفسك المجال لتنخدع بهذا «الملاذ»، فصاحب السمو يعي تماما أن أرواحنا ما هي إلا سفينة تساعدنا على الإبحار في محيطات الحياة، والملاذ الذي نلتمسه هو الملاذ الوحيد الذي يمكننا أن نجده فقط عند خوض غمار المخاطرة. وهذه هي اللحظة ذاتها التي تعتريني عندما أشرع في تأليف كتاب جديد، فأنا عندئذ لا أعلم إلى أي مكان ستنتهي بي هذه المغامرة ودائما يتطلب الأمر الكثير من رباطة الجأش لأترك نفسي تحت رحمة القوة الغامضة التي تقود خطاي في دروبها.

هناك شعار في مجال علوم «الخيمياء» مؤداه: «التركيز والتحلل». فربما تعلم، وأنا على يقين من أن الكيميائيين يعلمون، من خلال الدراسات المعملية، أن تقطير الزئبق من الكبريت ومن ثم تكريره يتحول إلى ذهب. فهذه المحاولة ستقود إلى الخلاصة وأكسير الحياة الطويلة. إن عملية التقطير تقوم في الأساس على هذا المبدأ والشعار البسيط: التركيز ـ بمعنى استخلاص الجوهر ـ والتحلل بمعنى خلط الجوهر مع شيء آخر.

وقد يختلف العديد مع هذا المبدأ كروتين أو تقليد، ولكن الكيمائيين كانوا يقومون بتهذيب قدرتهم على الصبر ومن تحويل مفهومهم عن العالم. وأعتقد أنه من الممكن تطبيق الشعار ذاته على الحب: فمن أجل أن تحافظ على حرية الحب، يجب على المرء أن يغوص في أعماق جوهره، وأن يشاركه مع الآخرين، وهذا بالتحديد ما يفعله صاحب السمو في قصائد الحب التي ينظمها؛ فهو يعيش ويحب، ويشارك حبه مع قرائه.

وقد كتب الشاعر الإنجليزي وليام بلاك مجموعتين من القصائد، إحداهما حول «البراءة» والأخرى حول «التجربة»، وعلى الرغم من ذلك تبدو هاتان اللحظتان في حياة الإنسان على اختلاف واضح، إلا أن أحدهما لا يمثل خصما للآخر. فالبراءة التي لا تشوبها التجربة غالبا ما تقود إلى أمور فرعية غير ذات صلة. وعلى الجانب الآخر، التجربة ? التي تزدري البراءة ? تقود الإنسان إلى المرارة والعزلة.

إن الوصول إلى النقطة التي توحد هاتين اللحظتين يكون ممكنا عندما يستطيع المرء الإبقاء على روحه منفتحة مع إدراكه لأساليب الحياة وحيلها. فصاحب السمو لا يعزف عن الإعراب عن مكنون مشاعره، لكنه يكبح جموحها بالعدل والتسامح، وهما السمتان اللتان من شأنهما الحفاظ على التراث الإنساني على هذه الأرض.

فخلال مطالعتي لشعر سموه، حاولت أن أتخيل الصراع الداخلي الذي يجول في خاطره بين شخصية الشاعر وشخصية الحاكم، إلا أن هذا الانطباع ما لبث أن تبدد مع إمعاني في التفكير، حيث أدركت أن هذا الصراع لا وجود له في واقع الأمر؛ فعندما يتحلى الحاكم بروح الشاعر يكون أكثر قدرة على إدراك تطلعات قومه واحتياجاتهم. وعندما يتحلى الشاعر بروح الحاكم، يتاح له ممارسة أحد أهم مقومات الشعر، الغوص عميقا داخل النفس للتعرف على أغوار الذات، وأن يعكس قدرة الله في خلقه.

فإذا مررت بكاتب قد فرغ لتوه من كتابة نص، ستشعر أن وجهه خال من أي تعبير وأنه شارد الذهن. ولكنه هو ـ وحده ـ يدرك أنه قام بمغامرة كبيرة، ونجح في تطوير غريزته الإبداعية، وحافظ على أناقة أسلوبه، وتركيزه خلال تلك المحاولة وبإمكانه الآن أن يشعر بوجود الكون من حوله، وأن يرى أن فعله كان عادلا ومستحقا. في حين يدرك أصدقاؤه المقربون أن فكره قد مر بمرحلة تحول في الأبعاد. فهو الآن هو على صلة بالأسود، والغزلان، والصحراء، والبدو، والسلف، والحالمين، والجبال، ودروس الماضي التي طوى صفحتها الزمان.

فالكتابة هي درب من دروب الشجاعة وشكلا من أشكال التعبير عنها، ومن المجدي أن يأخذ المرء بزمام هذه المغامرة، في حين تبقى قصائد صاحب السمو عوناً يمكننا من فهم واستيعاب مكنون النفس وتراث أمة.

مقدمة كتاب «قصائد من الصحراء»

بقلم الكاتب البرازيلي: باولو كويلو