ختام مهرجان دبي الدولي للشعر كان مسكاً في ترحال الوجد والوجدان الذي خيم على أمسية المركز التجاري الدولي مساء أول من أمس، حينما تلاقى كوكبان عملاقان في سماء الشعر الأمير بدر بن عبدالمحسن، مهندس الكلمة، وبرايتن برايتنباخ شاعر جنوب إفريقيا والمغني من أجل الحرية وفك القيود والمناصر لقضية فلسطين وصديق الراحل محمود درويش.. أمسية حلقت بجناحي الشعر إلى فضاءات البوح والاجتراح.. فلسطين والعروبة والحب والليل والصحراء والقمر، سنابل برايتنباخ ومساويك بندر بن عبدالمحسن..

بين الهضاب والسهول وقضبان الحديد وبين المرايا والزوايا والانتظار والعشق السرمدي.. بين قصيدة حرة ترقص على إيقاع جرسها الداخلي وبين قصيدة تستعرض الأوزان والتقطيع والتقابل والتضاد كعارضات أزياء حسناوات.. عضلاتها صورها الشعرية الضاربة في مدى الجموح.. قمران في سماء الشعر، قمر من جنوب إفريقيا وقمر من الجزيرة العربية ورمالها الذهبية.. قمران أحدهما يطل على سنابل القمح والآخر تتسلل خيوطه من بين الطين والحصير.

شهد الأمسية سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون وجمهور غفير من ضيوف مهرجان دبي الدولي للشعر وإعلاميون وشعراء عرب وخليجيون وأجانب.. بدأت الأمسية التي اختتمت أماسي مهرجان «ألف شاعر لغة واحدة».. بقصيدة للشاعر برايتنباخ رافقه فيها ترجمة باللغة العربية الممثل السوري سامر المصري.. تذكر فيها الشاعر لحظاته الأخيرة مع الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.. أنشد برايتنباخ يقول من قصيدته «دردشات بدوية مع محمود درويش»:

عندما تموت يا محمود وينفجر الوتين

جارفا كل الوهن والتجاعيد مثل أفعى بنفسجية

لأن السطور لم تعد تقدر على الهرب من سطوة الاستعارات

قلبك مثل القصيدة يتدفق

بآخر قطرات الدم في ذاك المشفى

في البلاد الغريبة البربرية..

وينشد برايتنباخ في مقطع آخر يقول:

أيها الحراس.. يا من تضطجعون في مخدعكم بأمان

تبتسمون بمكر للنور في ملحنا

ورجفة الورد

تضمد جراحنا.. لو كان لكم أن تروا وجوه الموتى تفيض بالتعبير

لتذكرتم أمهات الوهن في غرف الغاز

ولتعلمتم انه ليس بمثل ذلك تسترد هويتكم..

تعال.. تعال

لنحتس القهوة العربية سويا

وسوف ترى نحيبنا

وان أجسادنا تتسع للكفن مثلك.

ومن فضاءات شاعر جنوب إفريقيا برايتن برايتنباخ إلى فضاءات الأمير بندر بن عبدالمحسن كان التحول على أحصنة العشق والوله.. قدم الأمير بندر مختارات من قصائده من أرشيفه القديم وشيء من جديده..

ولأن جمهور شعر الأمير يحفظ جل شعره، فقد كانت الأبيات والمقاطع تسابقه من الصالة.. لبى الأمير بندر بن عبدالمحسن في تواضع شديد العديد من طلبات الجمهور واختار هو أيضاً منها ما أشعل حماس الأمسية.. ابتدأ الأمير بقصيدة للوطن وتبعها أخرى في الملك فهد بن عبدالعزيز ثم توالت المقاطع والقصائد..

اترامى.. هذي عاداتي

في كل العمر مرة.. اترامى

وصدقيني في حياتي

ما هقيت اني عقاب.. ولا يمامه

إنما لعيونك انتي

طرت لأجمل ابتسامة..

وينشد رائعته الشهيرة «تذكر» القصيدة التي طارت إلى كل القلوب بأسلوبها الرشيق المختزل، باقتضابها وبصورها الشعرية ذات المشهدية السينمائية.. فالأمير بدر بن عبدالمحسن يلقب في الساحة الشعرية الخليجية بمهندس الكلمة.. كيف لا وهو يقول:

تذكر.. صوتك يناديني

تذكر.. تذكر

تذكر الحلم الصغير

وجدار من طين وحصير

وقمرا ورا الليل الضرير

على الغدير

لا هبت النسمة تكسر..

جيتيني من النسيان

ومن كل الزمان

اللي مضى.. واللي تغير

صوتك يناديني تذكر..

دبي ـ مرعي الحليان