أقامت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الليلة الماضية احتفالاً كبيراً في ذكرى المولد النبوي الشريف، بجامع الشيخ زايد في أبوظبي، بحضور الدكتور حمدان مسلم المزروعي رئيس الهيئة والدكتور محمد مطر الكعبي مدير عام الهيئة وعدد من العلماء وسفراء الدول المعتمدين لدى الدولة وجمهور المصلين.
وتحدث الدكتور الكعبي في كلمة افتتح بها فعاليات الاحتفال، عن الجوانب الحضارية التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد ابتدأ النبي الكريم رسالته السماوية إلى البشرية، بدعوة الناس إلى القراءة والعلم، فهما أساس البناء والسبيل إلى التطور والنهوض الحضاري.
كما ابتدأ رسالته صلى الله عليه وسلم بالعلم، ودعا إلى الزراعة وإحياء الصحاري المترامية الأطراف بما يفيد المجتمعات، وها هي البشرية اليوم تستشعر أهمية ذلك والحفاظ على البيئة الصالحة مستشهداً بقوله عليه السلام «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
وقال الدكتور الكعبي رسولنا صلى الله عليه وسلم دعا إلى العمل والعمل دائماً مقرون بالإيمان، فقد استنهض عليه السلام الناس إلى ذلك وسأله بعضهم (قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده)، وكان يقول: (من بات كالاً من عمله بات مغفوراً له) وأنصف العمال وقال لأجلهم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه).
الحث على العمل
وأضاف الدكتور الكعبي ان الرسول الكريم حث على العمل، مشيراً إلى أن العمال هم النشاط المنتج للمجتمع، ما حصن الأسواق وحمى المستهلكين بجملة من الحمايات والتوجيهات، ومنها: الإتقان والجودة التي ننشدها جميعاً، فقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) والأمانة والصدق والعفة، فقال عليه السلام: (أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفه في طعمة)، ومن أجل ذلك نهى عن الغش والاحتكار فقال: (من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار)، بل أعطى للتاجر الصدوق منزلة اجتماعية وأخروية كبيرة حين قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء).
وذكر الكعبي إنه صلى الله عليه وسلم أعطى للحياة الزوجية وللأسرة ما لم يعطها أي نظام أو تشريع من الرعاية والتكريم، فقال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) فكان يساعد نساءه وبناته في شؤون المنزل، ويحلب الشاة، ويرقع الثوب ويقول: (استوصوا بالنساء خيراً) بل يقول: (ما بال أحدكم يلعب بحدود الله)، يقول قد طلقت قد راجعت؟!) فكان يحب أن يرى السعادة في الحياة الزوجية ويكره النزاع الزوجي والطلاق، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق) لما في ذلك من ضياع الحقوق، والجور وهما نقيض الرحمة (ومن لا يَرحم لا يُرحم).
من جانبه تحدث المستشار الديني في ديوان ولي عهد أبوظبي الدكتور فاروق حمادة عن أثر رسول الله في الإنسانية قائلاً انه لما كانت الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات فان حجتها قائمة باستمرار ولهذا فقد حفظ الله هذه الحجة في أمرين اثنين كان لهما عظيم الأثر في الإنسانية كلها، السيرة النبوية التي حفظت حياة رسول الله بكل تفاصيلها، فكانت بذلك نموذج البشرية السامية، وحولها يدور الناس، والقرآن الكريم بما تضمنه من خلاصة الكتب السابقة وتجارب البشرية عبر تاريخها، وبما حدده من قوانين ونظم وتشريعات تحقق التوازن الإنساني والخير لجميع الناس.
واختتم كلمته بأهمية تعرف الأجيال واطلاعهم على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على وجهها الصحيح إلى جانب إدراكهم لهدي القرآن ومعرفة مقاصده وأغراضه الإنسانية. وتخلل الحفل فقرات من الإنشاد الديني قدمها المنشد المعتصم بالله العسلي شدا خلالها بعدد من المدائح النبوية التي لاقت استحسان الحاضرين.
وألقى الدكتور قطب عبدالحميد من دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، تحت عنوان (ولد الهدى) بين فيها الولادة الجديدة للأمة العربية ومن ثم ولادة هذا الدين الذي أطلق المواهب العلمية الحضارية والإنسانية للبشرية فنعمت في ظلال الإسلام بالسلام والعزة، وقوة الاقتصاد والمعرفة، ومن ثم بقية الفتوحات المعرفية والعلمية التي لا تزال البشرية تعيش على مآثرها وتتغنى بها وهي أحوج ما تكون لها اليوم لإنقاذها من عثرات الحياة وتحدياتها.
الثقافة تحتفل اليوم
من جهة ثانية تقيم وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع احتفالها السنوي بالمولد النبوي الشريف وجائزة البردة في دورتها السادسة، وذلك الساعة الثامنة والنصف مساء اليوم، في المسرح الوطني في أبو ظبي.
ويتضمن الحفل كلمة الداعية الحبيب علي الجفري، وأناشيد دينية في مدح الرسول الكريم وسيرته العاطرة، يشارك فيها الفنانون حسين الجسمي، وفايز السعيد، ومحمد المازم، إلى جانب مشاركة كل من المنشد عماد رامي وفرقته، والفرقة الأردنية للإنشاد إبراهيم الدردساوي عبد الفتاح عوينات وغسان أبو خضرة.
كما يتضمن الحفل إلقاء مقاطع من القصيدة الفائزة للشاعر إبراهيم بو ملحة، وتقديم عروض فن (المالد) للفرقة الوطنية للفنون التابعة لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعروض لفرقة(الدار)، إلى جانب تكريم الفائزين بجوائز البردة في مسابقة الشعر بنوعيه الفصيح والنبطي، والخط العربي بفرعي الأسلوب التقليدي الكلاسيكي والأساليب الحديثة، وفرع مسابقة الزخرفة الكلاسيكية بنوعيها التقليدية الناعمة والهلكار.
وتخص وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتكريم في هذه المناسبة فن (المالد) أو (المولد) من التراث الشعبي الإماراتي في إنشاد السيرة النبوية وقصائد مدح الرسول كالبردة للبوصيري، ونهج البردة لأحمد شوقي وغيرها، عبر تكريم رواده الشيخ عبد الله المريد، والسيد عبد الرحيم محمد الهاشمي، والشيخ عبد الرحيم المريد، والشيخ عبد الرحمن المنصوري، والشيخ أحمد بن حافظ.
وتنظم وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع مسابقة البردة منذ العام 1425 هـ / 2004م، احتفالاً بذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كل سنة، وتسعى الجائزة إلى أن تكون الرائدة والمتميزة على مستوى العالم الإسلامي في الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، وتكريم الفائزين في المسابقات المختلفة في موضوع مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.
مسابقات وجوائز
ومسابقة البردة هي مسابقة شعرية مفتوحة للشعراء من داخل الدولة وخارجها في الشعر النبطي وشعر الفصحى في موضوع مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، بالإضافة إلى مسابقة الخط العربي بفرعيها الكلاسيكي والحديث، ومسابقة الزخرفة الكلاسيكية على مستوى العالم. وتهدف الجائزة إلى إبراز شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة في يوم المولد النبوي الشريف، من خلال تحفيز الأجيال الناشئة على الالتزام بدينها وإدراك واجباتها تجاه عقيدتها ورسالتها الإسلامية.
وإيجاد روح التنافس بين المشاركين وتشجيع روح المبادرة والابتكار في بذل المزيد من الجهد والوقت في الاطلاع في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكريم المتميزين والمبدعين من الشعراء والخطاطين والتشكيليين من جميع أنحاء العالم الإسلامي إضافةً إلى إبراز الوجه الحضاري للدولة، وحرصها على تأكيد تعاليم الدين الحنيف في خدمة أبناء العالم الإسلامي، وتأكيد القيم الإسلامية، وأهمية دورها في الحياة وتكريم الشخصيات والجهات التي قامت بخدمة الإسلام في العالم بشكل متميز والأفراد الذين يقدمون إنجازات وإبداعات متميزة.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري ـ عبير يونس