بدأت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي برنامجا لإعداد المفتي المواطن والذي يهدف إلى إعداد وتأهيل الشباب المواطن لشغل وظيفة مفتي بالدائرة خدمة للدين على المستويين المحلي والإقليمي، ويقدم البرنامج من قبل الدائرة إلى طلاب وطالبات كليات الشريعة والفقه بالدولة.

ويتضمن عددا من الشروط من بينها أن يكون المتقدم طالبا بإحدى الجامعات والكليات داخل الدولة وألا يقل التقدير العام للطالب الذي يقبل في البرنامج والمبتعث على مقعد الدراسة عن جيد أو معدله التراكمي عن 2 من 4 نقاط أثناء فترة الابتعاث وأن يكون طالب البكالوريوس ملتحقا بتخصص الفقه وأصوله وألا يقل عمر الطالب عن 21 عاما إلى جانب إلمامه إلماما واسعا بالقرآن وعلومه وبالحديث وعلومه. ولكن السؤال لماذا لا يتم بالتزامن مع هذا البرنامج المقدم للطلاب أن يقدم مثله للطالبات من أجل تأهيلهن للإفتاء وخاصة في المسائل التي تحتاج إليها النساء.

يقول الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية عن برنامج المفتي إن هذا البرنامج يتماشى مع توجهات الدائرة الإستراتيجية في تأهيل عناصر بشرية كفؤة تخدم الإسلام والمسلمين وتسهم في نشر العمل الدعوي على ليكون الملتحق بالبرنامج متوسعا في علوم التفسير والحديث والفقه وقواعده وأصوله واللغة والنحو.

برامج تدريبية وأكاديمية

وأشار الدكتور حمد الشيباني إلى أن المسار الوظيفي للمفتي يتضمن ثلاث مراحل يبدأ بالمرحلة الأولى على مقعد الدراسة بمسمى وظيفي «مفتي دارس» وينتهي بالمرحلة الثالثة وهي مرحلة التثبيت والترقية يسمى فيها الطالب «مفتي».

ويتخلل البرنامج التأهيلي للمفتي عدد من البرامج التدريبية والأكاديمية التي تمس واقع عمل المفتي وترقى إلى المكانة الدينية لتلك الوظيفة تنفذها إدارة الموارد البشرية قسم تنمية الموارد البشرية وفق القواعد الإدارية والتخصصية.

الدكتور عمر الخطيب مساعد المدير العام لدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري قال إن العادة جرت أن يكون المفتي رجلا يقوم بمهامه في كثير من المسائل والقضايا من كل نوع وسواء مرتبطة بالرجل أو بالمرأة أو بالأسرة، ومشيرا إلى أن وجود المرأة المفتية تحتاج إليها المجتمعات الإسلامية للإفتاء في مسائل أسرية وتخص المرأة، وتكون أجدر من ناحية معرفة بعض الأحكام عكس الرجل.

ويضيف الدكتور عمر الخطيب أن المشكلة التي تواجهنا في الدائرة لتنفيذ مثل هذا المشروع وهو الخاص بالمفتية المواطنة من ناحية أن الإفتاء يجب أن يؤخذ عن شيخ، ولابد للطالبات من مفتية ذات خبرة واسعة في مجالات الإفتاء للأخذ عنها وهذا لا يتوفر حاليا،والحل هو في إيفاد عدد من الطالبات إلى بعض الدول للتخصص في الإفتاء. وأشار إلى أن من المفتيات اللاتي وصلن لمرحلة علمية كبيرة الدكتورة سعاد صالح من مصر وغيرها.

الفقه التام

ويقول الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية في دبي إن الإفتاء إخبار عن شرع الله تعالى الذي شرعه لعباده، في محكم كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم،من غير إلزام قضاءً، وهذه المهمة فرضها الله تعالى على العلماء المتمكنين ليبينوا للناس شرع ربهم،عند سؤالهم أو عند مقتضى الحاجة في البيان.

كما قال سبحانه: (وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)، وأوجب على كل من يحتاج إلى معرفة وبيان لأمر دينه ودنياه أن يسأل هؤلاء العلماء ليبصروه في شرع الله تعالى الذي أؤتمن عليه العدول من البشر، فقال مكلفا كل أولئك المحتاجين: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) وقال سبحانه:( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ).

وقال إن مثل هذا التوجيه القرآني الرباني شامل لكل من حمل صفة العلم المسؤول عنه من ذكر وأنثى، فإن العلماء يعرِّفون المفتي بأنه: «الفقيه الذي يُجيب في الحوادث والنوازل، وله ملكة الاستنباط» وهذه الملكة هي الفقه التام الذي يصل به المرء درجة الاستنباط، وهذه الملكة غير قاصرة على الرجال، بل يمكن أن تكون من النساء أيضا إذا وصلن تلك المرحلة من الفقه.

فإن الشرع الشريف نزل للرجال والنساء، على حد سواء، فقد كانت النساء يقلن للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، وذلك ما بينه الله تعالى بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، ولا تكون المؤمنة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر إلا إذا كانت عالمة بما تأمر وتنهى، فإن ذلك شرط أساس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدل على أن المرأة كالرجل في ذلك.

وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، ولذلك كانت النساء في الصدر الأول كالرجال في بيان الأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الصحابيات والتابعيات ومن يليهن إلى عصرنا هذا، وإن كنا في عصرنا الذي يسمى عصر التعلم والحضارة والثقافة نعاني من نقص كبير لمثل تلك الفاضلات من العالمات الفقيهات الربانيات، وكأننا في العصر الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

وأضاف: فلذلك ضاع الفقه عند كثير من الرجال وعموم النساء، مع أن الشارع طلب من النساء أن يجتهدن في طلب العلم كالرجال، لعموم الآية السابقة، ولأن للنساء خصائص قد لا يحسنها الرجال، فكان الأجدر أن يقوم بإفتائهن نساء، كما كانت أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن يفعلن ذلك، حيث كنَّ يبلغن النساء ما تعلمنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شؤونهن الخاصة.

كما روى البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: «خذي فرصة ـ أي قطعة ـ من مسك، فتطهري بها» قالت: كيف أتطهر ؟ قال: «تطهري بها»، قالت: كيف ؟، قال: » سبحان الله، تطهري «قالت عائشة: فاجتذبتها إلي، فقلت: تتبعي بها أثر الدم».

وقال الدكتور الحداد: فلولا فقه عائشة رضي الله تعالى عنها لما أراده النبي صلى الله عليه وسلم لبقيت المرأة بحيرتها؛ إذ لم تستطع أن تفهم مراد رسول الله صلى الله عليه الذي أشار لها بما يجب عليها فعله من التطهر، فلم تفهم الإشارة حتى احتاجت لصريح العبارة، فتولت السيدة عائشة رضي الله تعالى بيانها على الوجه الأكمل.

ولو تصفح القارئ لأي كتاب من كتب التراجم لمختلف الفنون لوجد من ذلك شيئا كثيرا، ومن أشهرهن الحافظة كريمة المروزية الرواية الشهيرة لصحيح البخاري، والسيدة عائشة المقدسية، وست الوزراء أم عمران، وأم الخير أمة الخالق التي نزلت الروايةُ بموتها درجة؛ لكونها كانت عالية السند عن الحجازيين، وكم في طبقات المحدثين والفقهاء من أولئك النسوة.

ولافتا إلى أن الدكتور صالح معتوق جمع في كتاب له محدثات القرن السابع فجاء ذلك في مجلد حافل، وجمع كثيرا منهن المؤرخ المشهور عمر رضا كحالة في خمسة مجلدات كبار،أسماه: إعلام النساء، منهن الفقهاء والأديبات وغيرهن، وللسيدة زينب بنت يوسف فواز مجلد كبير في تراجم النساء أسمته: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور.

وللسيد عبد الله محمد الحبشي مجلد صغير في تراجم مختصرة للعالمات من النساء اليمنيات، أسماه: معجم النساء اليمنيات، وغير ذلك كثير، في شرق الأرض وغربها، وعربها وعجمها، وكل ذلك يدل على ما كانت عليه المرأة من المكانة العلمية، ومزاحمتها لأخيها الرجل في هذا الباب وهي مزاحمة شريفة نبيلة؛ لأنها من المسابقة للخيرات، والمنافسة فيها.

وقال الدكتور الحداد عن تأهيل الطالبات للإفتاء إن هذا هو الذي يجب فعله وإعداده، فإن ما أصاب المرأة اليوم من التأخر العلمي والفقهي على الوجه الأخص، سببه عدم منهجية تأهيلهن لهذه المهمة الكبيرة، فيتعين أن يوضع منهج حافل لتأهيل المفتين من الرجال والنساء في الكليات التخصصية في الشريعة، وأشار إلى أن دائرة الشؤون الإسلامية أعدت منهجا متكاملا لذلك، لعله يحقق بعض المراد إن لم يحققه كله.

وذلك بتبني برنامج إعداد المفتي المواطن، ابتداء من المرحلة الجامعية، في الكليات الشرعية، يقوم على العناية بالطالب أو الطالبة من تلك المرحلة بتكثيف دراسته الشرعية فقها وأصولا وتفسيرا وحديثا وعلومهما وعلوم اللغة نحوا وصرفا ومنطقا وبلاغة، ومن واقع الفقه المذهبي والمقارن.

بالإضافة إلى أدب المفتي والمستفتي، بحيث يتأهل الطالب ذلك نظريا ثم يكسب خبرة عملية من واقع مجالسته للمفتين في الإدارة وفي بعض الدول المعنية بالإفتاء، في الفترة الصيفية لكل سنوات دراسته، وعند التخرج كذلك يلازم أصحاب الفضيلة العلماء في إدارة الإفتاء حتى يكتسب الملكة الفقهية من واقع العمل، كما اكتسبها نظريا في مقاعد الدراسة فهذا الذي يكوَّن المرأة أو الرجل لهذه المهمة العظيمة التي يحتاجها المجتمع.

لا يوجد حجر على المرأة في الافتاء

يؤكد الدكتور أحمد الحداد أنه ليس هناك حجر على المرأة فيم تفتي به، ولا تحديد لنوع ما تفتي به، لما تقرر أن الفتوى إخبار عن شرع الله تعالى مما فقهته وعلمته منه، فلها أن تفتي بعلم في كل أبواب الفقه من غير استثناء، وكذا في العقائد والأخلاق وغيرها إذا تأهلت لكل ذلك، وليس ذلك كالقضاء الذي يرى بعض أهل العلم صحته منها فيما تصح لها الشهادة فيه، من أمور النساء والأموال، دون الحدود، فذلك لأن القضاء ملزم بخلاف الشهادة، ولأن القضاء يتعلق بشخص واحد دون الإفتاء، وقد كانت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها يفتين في كل أبواب الفقه، وتستدرك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم في كل الأبواب الفقهية كما هو معلوم.

وقال إن هناك أعداد كبيرة غفيرة من النسوة اللاتي وصلن مرتبة الإفتاء والتحديث والرواية من السلف والخلف، ولو لم يتولين منصبا يسمى منصب المفتي العام مثلا، فذلك لأن الإفتاء كان يقوم به العلماء والقضاة مباشرة من غير تولية، وإن كانت الدولة تقوم بواجبها في أرزاق هؤلاء ومنع من ليس أهلا من الإفتاء، فكانت النساء يفتين كالرجال الفقهاء سواء بسواء.

دبي ـ السيد الطنطاوي