كان «ر» شاباً أنيقاً ووسيماً إذ استطاعت الرياضة أن تشكل جسمه بطريقة جيدة جداً فأصبح مظهره كأنه بطل لأحد أفلام هوليوود، خاصة وأن طوله كان يتجاوز الـ «190» سم. تخرج «ر» من كلية الهندسة قسم الكهرباء وبعد تخرجه عمل في إحدى الشركات، كانت الشركة التي يعمل فيها وقعت عقداً مع أحد المصانع للإشراف على صيانته من الناحية الكهربائية، وهذا كان يستدعي أن يذهب «ر» بشكل دوري إلى المصنع لمراقبة الأجهزة الكهربائية فيه وتصليح أية أعطاب أو خلل قد يحدث.
كان «ر» يذهب إلى كافة أنحاء المصنع ويتفقد كل شيء منه ثم يعود إلى مكتبه ليكتب تقريراً عما قام به، في أحد الأيام ذهب إلى المصنع فوجد أن بعض المحولات تحتاج إلى قطع غيار فكتب تقريراً بذلك، وذهب إلى مدير وصاحب المصنع للتوقيع على التقرير وذلك حتى تتمكن الشركة من شراء تلك القطع وتركيبها.
ذهب «ر» إلى مكتب المدير وبعد شرح ونقاش قام المدير بالتوقيع على التقرير، عاد «ر» إلى مكتبه وقام بالاتصال وشراء قطع الغيار ثم اتصل بمدير المصنع وحدد معه يوماً لتركيب قطع الغيار وفي اليوم المقرر جاء «ر» إلى مكتب المدير، فوجد معه في المكتب آنسة قام المدير بتعريفهما على بعضهما البعض حيث عرف «ر» على الآنسة قائلاً هذه ابنتي «م» التي لم أرزق غيرها ثم أشار إلى «ر» قائلاً هذا المهندس المسؤول من قبل شركة «.....» عن صيانة كهرباء المصنع.
التقت نظرات «م» و«ر» لأول مرة ثم قامت «م» بمد يدها لمصافحة «ر»، انتهت مسألة التعارف بسرعة وذهب «ر» إلى حيث الأجهزة التي تحتاج إلى استبدال وبدأ مع بعض الفنيين يعملون بها، ولكن قبل أن ينهي عمله وينصرف من المصنع جاءه الساعي ليقول له بان «م» تريدك في المكتب، ذهب «ر» إلى مكتب والد «م» حيث وجد الفتاة تجلس وحدها في انتظاره، دار حديث عمل بينهما تركز على المصنع وأجهزته... الخ.
كان الأمر بالنسبة إلى «ر» لا يتعدى عن كونه لقاء عمل أما بالنسبة إلى «م» فقد كان الأمر يختلف تماماً. بدأت تسأله أسئلة لإطالة الحديث معه، ما دعا «ر» لأن ينهي اللقاء بسرعة ويعود إلى مكتبه.
لقاء في القصر
بعد يومين من ذلك تلقى «ر» اتصالاً على هاتفه النقال كانت «م» هي التي على الطرف الآخر، وبعد حديث مجاملة طلبت «م» من المهندس أن يأتي إلى المصنع وذلك كي تأخذه من هناك إلى قصر والدها لإجراء صيانة لبعض أجهزة التكييف، إلاّ أن «ر» اعتذر قائلاً بان هذا عمل خاص، ولا أستطيع أن أقوم به أثناء عملي بالشركة لذا اتفقا على أن يلتقيا عند باب المصنع الساعة 30,8 ليلاً حيث ستأخذه «م» إلى القصر.
في الوقت المحدد كان «ر» يقف أمام المصنع حيث جاءت «م» إليه طالبة منه ترك سيارته أمام المصنع على أن يستقل سيارتها وبعد الانتهاء من معاينة الأجهزة الكهربائية في القصر ستعيده إلى سيارته. خلال وجوده في السيارة سمع من «م» بعض عبارات الإطراء قائلة له بان جسمه الرياضي جميل جداً، وأنه يُلفت انتباه أي فتاة إليه، كان «ر» حريص في ردوده وذلك كي لا يتورط في أية مغامرة قد تكون سبباً في طرده من الشركة، فهذه الآنسة ابنة «.....» ووالدها صاحب منصب كبير وذو جاه وسلطان، لذا كان أحرص ما يكون على أن تبقى العلاقة بينه وبين «م» رسمية للغاية.
دخل «ر» إلى القصر فأصيب بالصدمة لفخامة ما يرى فقد كانت مقابض الأبواب مطلية بالذهب والثريات المنتشرة هنا وهناك كانت من الذهب والكريستال البوهيمي أما السجاد فقد كان كله مشغولاً باليد في حين كانت السلالم من الدور الأول إلى الثاني من خشب الأبانوس المطعم بالمرمر، في حين كان الأثاث والديكورات من النوع الذي لا يوجد إلاّ في الأحلام.
طلبت «م» من المهندس أن يأتي معها ليتفقد بعض التوصيلات الكهربائية في غرف القصر وحمام السباحة وجوانب الحديقة، تفقد «ر» الكهرباء فوجدها تعمل بشكل ممتاز، فقال لـ «م» بأن الكهرباء ليس فيها أي عيب وأنها تعمل بانتظام، فقالت له أعرف ذلك فلدينا شركة خاصة متعاقدين معها للإشراف الدائم على كهرباء القصر، ولكني أردت أن استضيفك في قصري فأنا سيدة هذا القصر.
بقدر ما شعر «ر» بالسعادة بهذا الكلام بقدر ما شعر بالخوف، أحست «م» بخوفه وارتباكه لذا أمسكت بيده قائلة له «رجل مثلك يتمتع بهذا الجسم الجميل القوي والوسامة الأخاذة عليه أن لا يخاف» ثم قامت بالضغط على يده بقوة وكأنها توصله رسالة مفادها أنها معه ولن تتركه لحظة.
الهروب
في لحظة أحس «ر» بانه في جنة وتمنى لو أن «م» لا تترك يده أبداً، في هذه الأثناء تلقت «م» اتصالاً على هاتفها النقال من والدها يقول لها بانه سيحضر هو وشخصية مهمة جداً ويريد العشاء أن يكون جاهزاً. طلبت «م» من «ر» أن يبقى معها حتى يتناول العشاء معها لكن «ر» أخبرها بأن عليه أن يعود بسرعة إلى بيته، طلبت «م» من أحد العاملين في القصر أن يوصل «ر» إلى حيث سيارته لأنها ستكون مشغولة في الإشراف على إعداد طعام العشاء لوالدها وضيفه الشخصية المهمة.
خلال عودته إلى بيته بدأ «ر» يفكر بما حدث له فقد يتيقن بأن «م» تحبه، لكنه سأل نفسه أين ستوصله هذه العلاقة فهي غنية جداً وتستخدم في قصرها الأواني والأدوات المطعمة بالذهب والكريستال، ووالدها شخصية مهمة جداً مالياً واجتماعياً.
بينما هو إنسان عادي ومرتبه في الشركة لا يكاد يفي إيجار المسكن الذي يسكنه مع والده ووالدته واخوته وإخوانه، لذا طرد هذه الأفكار من رأسه وفر هارباً منها حفاظاً على أسرته فلو عرف والد «م» بأن هناك علاقة بينه وبين ابنته فلن يقبل بأقل من سجنه إن لم يأمر بقتله وتشريد أسرته، لذا قرر عدم الذهاب إلى مصنع والد «م» أو قصرها مهما كانت الظروف، كما قرر عدم الرد على هاتفها النقال.
قامت «م» بالاتصال به مرات عدة على هاتفه النقال إلاّ انه لم يرد عليها، أحست «م» بأن «ر» يتعمد التهرب منها ما أغضبها كثيراً، لذا اتصلت بالشركة التي يعمل فيها وطلبت من مديرها أن يرسل «ر» حالاً إلى المصنع لأمر يتعلق بالكهرباء «حاول «ر» أن لا يستجيب للأمر لأنه يعرف جيداً بأن الكهرباء في المصنع جيدة وأن «م» تختلق هذه الأسباب لتراه، ذهب «ر» مرغماً إلى المصنع وهناك وجد «م» في انتظاره حيث طلبت منه تفسيراً لتصرفاته معها وعدم الرد عليها.
قال لها المهندس بانه يتمنى أن يراها ويسمعها كل لحظة وكل دقيقة إلاّ أنه يعرف الفارق الكبير بينه وبينها فهي تسكن في قصر، وهو يسكن مع عائلة كبيرة من الأخوة والأخوات والوالدين في شقة لا تزيد غرفها عن غرفتين في منطقة متواضعة، إضافة إلى خوفه من والدها في أن يستخدم سلطانه لإيذائه وإيذاء أسرته.
حاولت «م» طمأنته قائلة بان شيئاً لن يحدث له وبأنه سيكون هو وأسرته بخير وأمان وأنها قادرة على حمايتهم، ولكنها طلبت منه أن يفاتح والدها في طلب يدها. بعد تردد طويل وافق «ر» على ذلك وذهب إلى مكتب والدها حيث طلب يدها، وما كاد ينهي كلامه حتى تقدم منه والدها وصفعه صفعة قوية على وجهه، وعلى الفور قام بالاتصال بالشركة التي يعمل فيها «ر» وأخبر مديرها عن تجاوزات موظفه «ووقاحته وقلة أدبه وتطاوله» وأضاف بأن العقد بين الشركة والمصنع يعتبر لاغياً.
عاد «ر» إلى مكتبه في الشركة حيث استدعاه مديرها وأخبره بالاستغناء عن خدماته وعليه أن يُسلم المشاريع التي في عهدته إلى مهندس آخر. كان «ر» يعرف بأن هذه أقل الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها نتيجة لطلبه يد «م».
عرفت «م» بما حدث لذا اتصلت به وطلبت منه أن يسافر إلى بلاده خلال ساعات لأن والدها يريد توريطه في قضايا مالية وأخرى خاصة بقطع الغيار الخاصة بالمواصفات وهذه أمور ستؤدي إلى سجنه، لذا وخلال أقل من «24» ساعة كان المهندس قد سافر إلى بلاده.
السفر إلى لندن
طلبت «م» من المهندس السفر إلى لندن بعد أن حولت باسمه مبلغاً كبيراً طالبة منه أن يستأجر لهما شقة هناك لأنها ستأتي إلى لندن عندما تسنح لها الفرصة. بعد أن هدأت الأمور وهدأ غضب والدها استغلت «م» الظروف وسافرت إلى لندن وهناك التقت بالمهندس حيث تزوجا ثم اتصلت بوالدها وأخبرته بكل شيء.
جن جنون الرجل وقرر قتل ابنته و«ر» مهما كانت الظروف ثم قام الرجل بالاتصال بسفارة بلاده وطلب منها أن تبحث عن ابنته من خلال مكاتب الهجرة وان تحتجزها في السفارة في لندن حتى يأتي إلى هناك. عرفت «م» بأن والدها لن يتركها في حالها لذا تركت هي وزوجها لندن وسافرا إلى نيويورك وتركت في الشقة إحدى صديقاتها لتعرف ماذا سيحصل.
كانت «م» على حق حيث حضر والدها إلى الشقة ومعه بعض الرجال وسألوا عن «م» لكن الصديقة أخبرتهم بأنها لا تعرف شيئاً عنها، وعندما سألوها عن الشقة أخبرتهم بانها استأجرتها من أحد المكاتب العقارية. لم ييأس والد «م» فقد أحس بأنه طُعن في كرامته من ابنته التي ليس له في الدنيا غيرها ومن هذا المهندس «الصعلوك».
بعد نحو شهر من البحث والتقصي عرف الرجل بأن ابنته سافرت إلى نيويورك وأنها تُقيم هناك، أحست «م» من خلال صديقتها التي تركتها في الشقة ومن خلال الاتصالات التي كانت تجريها مع والدتها بأن والدها في طريقه إلى نيويورك وانه لن يتركها هذه المرة.
اتصلت والدة «م» بابنتها وأخبرتها بأن تترك نيويورك لأن والدها سيكون في المدينة بعد «24» ساعة وأنه قد يقتلها كما أنه سيأمر الرجال الذين معه بقتل زوجها. شعرت «م» وزوجها بأنهما في ورطة حقيقية وأنهما سيقتلان لا محالة، خاصة إذا رفضت «م» العودة معه إلى بلاده، اتصلت «م» وكذلك «ر» بسفارتي بلديهما من أجل توفير الحماية لهما لكن الإجراءات كانت طويلة ومعقدة.
فكرا أن يبلغا مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي من أجل حمايتهما إلاّ أن «م» كانت تعرف أن ملايين والدها قد تشتري الضمائر مهما كانت لذا فكرت بطريقة أخرى وهي اللجوء إلى الإعلام. اتصلت «م» وزوجها مع مكتب إذاعة بريطانية مشهورة جداً حيث طلب المكتب الذي يتخذ من نيويورك مقراً له حضورهما إلى الاستديوهات ليسمع قصتهما.
ذهبت «م» وزوجها إلى مكتب الإذاعة المشهورة الذي في نيويورك حيث التقيا بمديره وأخبراه بقصتهما وطلبا منه أن ينقل ذلك على الهواء مباشرة من مقر الإذاعة المشهورة في لندن. لم يصدق مدير الاستديوهات نفسه فقد كانت هذه الخبطة الصحافية والإعلامية من الخبطات التي كان ينتظرها طوال عمره، وأخيراً جاءته الفرصة بين يديه.
خلال اللقاء مع مدير الاستديوهات تحدثت «م» وزوجها عن المعاناة التي يلاقيانها متهمة والدها بأنه يمارس التمييز العنصري ضد زوجها، بسبب مستواه الاجتماعي والمالي رغم أنه شاب مهندس وطموح، كما تحدث المهندس عن خوفه على أسرته من بطش والد «م» كما أخبر الإذاعة بأن والد «م» ضربه واستغل نفوذه لطرده من الشركة التي كان يعمل فيها.
عندما بثت الإذاعة حديث «م» وزوجها كانت قد فجرت قنبلة أقوى عشرات المرات من القنبلة الذرية وبدأت الاتصالات تنهال على استديوهات الإذاعة معربة عن استنكارها لموقف والد «م» واصفة تصرفاته بأنها تصرفات عنصرية يجب محاربتها. ولم تكتف الإذاعة ببث الحديث وقصة «م» وزوجها والمخاوف التي تحيق بعائلة المهندس التي لا تزال في بلاد «م» بل قامت الإذاعة بالاتصال بالهيئات والمنظمات الدولية خاصة تلك التي تنضوي تحت الأمم المتحدة وبدأت تأخذ رأيها القانوني في قصة «م» وزوجها والمعاناة التي يلاقيانها والخوف الذي يعتريهما على حياتهما إن هما ظهرا علناً في الشوارع.
بعد أن بثت الإذاعة الحديث مرات عدة بدأت المزايدات الإعلامية وبدأ اصطلاح التمييز العنصري يظهر هنا وهناك لذا كان لابد أن تتدخل جهات رسمية عليا لإنهاء هذه المسألة بأسرع وقت ممكن حتى لا تستغل أكثر بطريقة سيئة وتتحول إلى قضية سياسية، ومزايدات عبثية، خاصة وأن بعض الجهات بدأت تتناول هذه القضية بطريقة مستفزة.
وأخيراً تمكنت الجهات العليا من احتواء الموقف، وخرجت «م» وزوجها من هذه القضية بحماية من جهات عدة أهمها الجهات الإعلامية حيث سُلطت عليهما الأضواء أياماً عدة ثم اختفيا إلى الأبد حيث يقال إنهما يقيمان في لوس انجلوس.
احمد سلطان
