من يقرأ كتاب الله عز وجل يجد في آياته الكثيرة تذكيراً وحثاً للمسلم على إرضاء الوالدين في كل وقت وعدم التبرم من طلباتهم أو الضيق منهما فيقول عز وجل: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً «.
والإسلام جعل عقوق الوالدين محرماً واعتبره من أكبر الكبائر، ففي حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟.. الإشراك بالله، وعقوق الوالدين..».
وإذا أمر الوالد أو الوالدة ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، ولا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما.
ويقول سبحانه وتعالى: « إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما»، فخص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فذلك خص هذه الحالة بالذكر. وأيضاً فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه.
وقد أمر القرآن أن يقابلهما بالقول اللين والكريم: «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً»، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه « قيل: من يا رسول الله؟ قال : « من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة «.
ويعني قوله تعالى : « فلا تقل لهما أف» أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، و(الأف) الكلام الرديء، ولو علم الله من العقوق شيئاً أقل من «أف» لذكره لقومه ( أف لكم ولما تعبدون من دون الله) أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهما وأن ترحمهما كما رحماك، وترفق بهما كما رفقا بك إذ ولياك صغيراً محتاجاً فآثراك على أنفسهما واسهرا ليلهما وجاعا وأشبعاك وتعريا وكسواك فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر فتلي منهما ما وليا منك ويكون لهما حينئذ فضل التقدم «كما ربياني صغيرا» خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية فيزيده ذلك إشفاقاً لهما وحناناً عليهما.
يقول صلى الله عليه وسلم: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد». لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب ويكرم فمن امتثل أمر الله فأطاع والده وأكرمه فقد أطاع الله فرضي عنه ومن خالف أمر الله فأغضب والده وأهانه فقد أغضب الله فغضب عليه.
رجاء علي