في ظل تعلل البعض من الشباب باستعصاء اللغة العربية الفصحى على كثير من شباب اليوم، وعدم وجود الوقت الكافي لديهم للإطلاع على كتب التفاسير التقليدية، نادى كثيرون بضرورة إيجاد بديل عصري من خلال تفسير القرآن الكريم بما يتناسب مع الأجيال الناشئة التي تفتقر القدرة على التعمق والصبر والاستنباط.

وقد عاد الجدل مجددًا حول المطالبة بتفسير عصري للقرآن الكريم يتماشى مع متغيرات العصر، بعد تبني العديد من العلماء المعاصرين لهذا الأمر، حيث دعوا وقدموا بالفعل تفسيرات جديدة للقرآن، وجاءت هذه الدعوة مرتبطة ببعض التفسيرات الأخيرة بآيات القرآن كما فعل الدكتور عائض القرني.

وكذلك الدكتورة «لالاه بختيار» الأستاذة السابقة بجامعة شيكاغو وهى إيرانية الأصل والتي فسرت قوله تعالى {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} حيث قالت بأن الضرب هنا بالمعنى بعيدًا، وليس المقصود به صحيح الضرب كما ورد في العديد من التفسيرات، وهذا التفسير وافقها عليه بعض العلماء كالدكتور أحمد السايح أستاذ العقيدة والفلسفة وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذي أكد أن المقصود بالضرب هنا الشدة والحزم، وليس الضرب على معناه الشائع.

ويؤيد الدكتور أبوسريع عبد الهادي أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر هذه الدعوة، مرجعا ذلك لعدة أسباب أهمها تنقيته من بعض الإسرائيليات الموجودة في كثير من التفسيرات الماضية، ومنها تفسير «الخازن» وتفسير «البيضاوي»، خاصة أن هناك العديد من المفسرين المحدثين يعتمدون على مثل هذه التفسيرات القديمة.

وقال: ليس معنى ذلك أن أحكام القرآن غير صالحة، ولكن التفاسير الموجودة هي غير الصالحة، لذلك يشدد على ضرورة أن يقوم بالتفسير العصري مجموعة متخصصة من كبار المفسرين على مختلف جميع أنحاء العالم.. مطالبا المفسرين الجدد بعدم التعرض للأصول الثابتة، لأن الذي نزل هذه الأحكام هو العالم بجميع العصور، وبما كان وما سيكون، ولكن يجوز، على حد اعتقاده، التعرض للأحكام الفرعية التي اجتهد فيها السابقون وعلى أساسها خرجت هذه التفسيرات سواء الصحيح منها أم غير ذلك.

وعن الآية التي أثارت جدلاً في الفترة الأخيرة أكد عبدالهادى أن معنى الآية واضح وهو الضرب، وما يؤكد ذلك هو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع بأن المقصود بهذه الآية واضربوهن، أي «الضرب غير المبرح»، وفسر البعض ذلك حتى ولو كان بالسواك، وفي ذلك حكمة من الله حيث هو العالم بأن طبيعة النساء واحدة مهما اختلفت العصور.

ولذلك قال تعالى{واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} فالمولى طالب في البداية بالعظة، ثم بعد ذلك الهجر، وكانت المرحلة الأخيرة هي الضرب، وذلك لاختلاف النساء فهناك امرأة قد يجدي معها العظة، وأخرى الهجر، وثالثة لا يصلح معها إلا الضرب غير المبرح الذي لا يؤذيها، ولكن يؤدبها ويجعلها تقلع عما تفعل، ولذلك فالتفسيرات الحالية لهذه الآية غير صحيحة، ولا تستند لأي سند من صحيح الدين.

وإذا كان عبدالهادي أيد وجود تفسير عصري للقرآن، رفض الفكرة الدكتور عبدالله ربيع - أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية الفكرة، وفسر موقفه بأن القرآن الكريم تناول العديد من الأحكام منها الأحكام الثابتة كأمور العقيدة والتي لا يجوز الاقتراب منها، ومنها الأحكام المتغيرة وهي قسمان «دينية ودنيوية».

وقال إن الأمور الدينية لا يستطيع أحد أيضًا أن يجتهد فيها، أما الأمور الدنيوية فيجوز الاجتهاد فيها، ولكن هناك ضوابط وشروط لابد أن تتوافر فيمن يقوم بذلك، ومنها أن يكون أمينًا ورعًا تقيًا، حافظًا للقرآن الكريم، وعلى علم بالسنة النبوية وعلى وعي بمعرفة أحوال رواة الأحاديث، وأن يكون عالمًا بأسباب نزول الآيات، والناسخ والمنسوخ، بالإضافة إلى المعرفة الكاملة لمبادئ اللغة العربية ومشتقاتها، لافتًا أنه لا يوجد عالم واحد حاليًا تتوافر فيه هذه الشروط، ولذلك لا يصح الاجتهاد في مثل هذه الأمور.

وفي السياق ذاته، لفت ربيع أن سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله ـ عنه كان أول من اجتهد في هذا الأمر، عندما كان في عام المجاعة، ففسر قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} بأن هذا لا يسري على من يقوم بهذه الأفعال في هذا العام، وذلك لشدة الكرب الذي كان به الناس، وأيضًا قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم} فألغى سيدنا عمر هذا السهم الأخير، وقال إن المجتمع الإسلامي أصبح قويًا، ولا حاجة لتأليف القلوب.

ومع ذلك يؤكد أستاذ أصول الفقه أنه لا يوجد شخص الآن يمكن الثقة به مثلما كان يمكن الثقة في ابن الخطاب، ولذلك لا يجب الخوض في مثل هذه الأمور. وفيما يتعلق بالمتغيرات الحديثة أكد أنه إن وافقت هذه المتغيرات الشريعة الإسلامية يمكن قبولها والعمل بها أما غير ذلك فلا يجوز، وأصحاب الحق في ذلك، هم مجمع البحوث الفقهية، ومجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ودار الإفتاء ومن على شاكلتهم.

وفى رأى د.منيع عبد الحليم أستاذ التفسير وعلوم القرآن فإن التفاسير الموجودة حاليًا هي أصول علم التفسير، ولا يمكن تجاوزها أو تركها بأي حال من الأحوال حيث قدمت المادة العلمية القوية والسليمة لعلم التفسير، ولتفسير القرآن الكريم تفسيرًا شاملاً، لافتًا أنه من المطلوب أيضًا أن يكون هناك تفسير عصري للقرآن الكريم لجميع الشعوب الإسلامية يتناسب مع متطلبات العصر، ولابد أن يكون هذا التفسير بأسلوب مبسط وسهل بحيث يستفيد منه جميع الناس، ويوضح بعض الأحكام المتعلقة بالعالم المعاصر.

غير أن منيع أشار أن هذه التجربة أو هذا المطلب ليس بجديد، موضحا أن هذه التجربة جار العمل بها منذ عدة عقود ماضية، وبالفعل خرجت بعض التفسيرات المعاصرة للقرآن الكريم، ومن هذه التفسيرات تفسير القرآن للدكتور السيد محمد فريد وجدي، وكان من كبار المفسرين في مصر خلال العقود الماضية.

وأيضًا هناك «المنتخب في التفسير» الذي أشرف على إخراجه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية تحت رعاية العديد من العلماء ومنهم الراحل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابق، والدكتور محمد أبو زهرة أحد علماء الإسلام والبارزين، بالإضافة إلى «الوسيط في تفسير القرآن الكريم» لشيخ الأزهر الحالي الدكتور محمد سيد طنطاوي، مضيفًا أن جميع هذه التفسيرات عصرية تتفق مع العصر الحالي ومتغيراته ولكن المطلوب ؟ حسب كلامه ؟ إشاعة هذه التجربة.

وفي سياق تعليقه على وجود العديد من الإسرائيليات في تفاسير القرآن القديمة، أكد منيع أن هذا الأمر يسمى في كلية أصول الدين ب«الدخيل في التفسير»، وهذه مادة تدرس في الكليات الشرعية بهدف تنقية هذه التفاسير القديمة، وبالفعل تم تنقيتها، كما أن هناك العديد من الدراسات العلمية التي أعدت حول تنقية هذه التفاسير، وهي حاليًا موجودة بمكتبات جامعة الأزهر، ولكن يجب الإفراج عنها وإرسالها إلى الدول الإسلامية للاستفادة منها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية