رسول الله صلى الله عليه وآله خاطبه ربه سبحانه وتعالى بالقول الكريم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وكان هو قد قال عن نفسه الشريفة: (إنما أنا رحمة مهداة) ودليل هذه الرحمة أن المرء يزداد حباً وتعلقاً بنبيه وبكتاب ربه كلما ازداد معرفة بهما، حتى لا يفتأ يطلب من الرحمة والقرب من النبي صلى الله عليه وآله، لأنه قد عرف أن رحمة الله لا تحدها الحدود، ولأن نبيه هو نبي الرحمة.
وحينما تتعرف الى عدم محدودية الرحمة الإلهية، وعلى أن الله قد خلق خلقه ليرحمهم، فلابد أن تسعى سعيك وتبذل كل جهدك لأن تعيش في بحبوحة الأمل وإذا ما أذنبت ذنبا ما فليس لك أن تقنط من رحمة الله، بل عليك أن تجر نفسك إلى جادة الأمل عبر التوبة والدعاء، لأن الله تبارك وتعالى يحب التوابين، كما يحب المتطهرين من الذنوب، ويحب أن يرى عبده داعيا إياه راجيا ثوابه..
فلتطلب من الله كل شيء، وكن في طلبك إلى الله متطلعا إلى المزيد، لأن ذلك يمثل إيمانا منك بأن الله هو الرب الذي لا تنقصه كثرة العطاء.. فهذا أفق واسع من آفاق الرحمة. ثم لتتعلم من ربك ولتتخلق بأخلاقه.. فترحم نفسك وجسمك أن يمسهما عذاب جهنم، مما يعني لزوم طرد الأحقاد والضغائن والعصبيات، حيث تجتهد في كسب الفضائل والكمالات الروحية والأخلاقية.
لقد كان من رحمة الله بنا أن خلقنا مسلمين، وخلق في قلوبنا الرحمة والحب لأولادنا أكثر من غيرنا من الأمم، وهنا مالا يحصى من الشواهد على تماسك الأسرة إذا ما عرفت رحمة ربها وتأكدت من معرفة كتاب الله وشخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله. ثم إن هذه الرحمة من طبيعتها أن تأخذ بعدا آخر، وهو الرحمة بجميع الناس، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الناس اثنان؛ إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).
فها هو الإسلام الذي حكم بصورة تامة معظم ارجاء العالم ولمدة خمسة قرون، أي منذ انتشاره على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى زمن الحروب الصليبية، ولكن التاريخ ـ على اختلاف كتابه ـ شاهد كبير على أن المسلمين لم يصنعوا القنبلة الذرية أو أبادوا البشرية بها، وكذلك لم يصنعوا الأسلحة الكيماوية أو استخدموا المدافع لحرق الشعوب.. رغم أن عشرات الآلاف من الاكتشافات والاختراعات كانت من نصيب المسلمين.. لأن مبدأ الرحمة وآفاقها كانت تمنعهم عن ذلك..
بل لقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قطع مجرى الماء على حصون خيبر، وهو كان بأمس الحاجة إلى تعجيل القضاء على اليهود الممتنعين عليه في تلك الحصون، اليهود الذين نقضوا كل عهودهم التي أبرموها مع المسلمين، وراحوا يتعاونون مع مشركي قريش.. لأن رحمة النبي والقرآن كانت تمنعه من اتخاذ هذا الأسلوب غير الإنساني وغير الرحيم.
هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حينما فتح الله حصون خيبر، وغنم من اليهود ما غنم من كميات هائلة من الذهب، قد أمر بها لتوزع على فقراء مكة، رغم ما واجهته مكة وكفارها.. حتى قيل ان النبي قد فتح قلوب أهل مكة قبل أن يفتح أرضها.
أحمد عبدالمجيد