ومن دروس الهجرة كذلك، مقام المسجد في حياة المسلمين، وكيف أنه أول خطوة اهتم بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند مقدمه المدينة، حتى قبل أن يبني بيتا لنفسه، وهو في قباء، التي سبقه إليها المهاجرون، فكان أول مسجد بني في الإسلام، وكان مركز القيادة وتصريف الأمر قبل دخول المدينة ذاتها، وحينما دخل المدينة كانت الهمة أيضا موجهة إلى بناء المسجد النبوي الشريف المبارك.
وربط اختيار موقع مسجده بأمر عجيب، هو أن تبرك فيه ناقته دون توجيه أو ضغط من أحد، وكلما أراد أحد من صحابته توقيفها أمام منزله، قال: « دعوها فإنها مأمورة «.. حتى وقفت وحدها وبركت أمام مربد ـ مكان لتخزين البلح حتى يصير تمرا ـ لغلامين يتيمين يكفلهما أسعد بن زرارة، وكان الغلامان يريدان النزول عنه لله، فأبى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا ابتياعه بالثمن، وهذه قاعدة غالية أمام أنظار الأمة، أن تكون أرض المسجد محررة لله عز وجل، غير مغتصبة من مالك من ملاك الأرض، صغارا أو كبارا، مسلمين أو غير مسلمين..!!
وكان المسجد قبل بنائه يشتمل بالإضافة إلى المربد على مصلى متواضع صغير ينبت فيه بعض النخيل وبعض أشجار الغرقد ـ الشوك ـ وتختفي في ترابه بعض قبور قديمة مهملة للمشركين، فأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنخيل فقطع، وبالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت ـ أي الجحور والأغوار مكان القبور ـ وصفوا النخيل كقبلة إلى بيت المقدس، وكان طوله مما يلي القبلة مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك تقريبا، وجعلت عضادتاه من الحجارة.
وحفر الأساس على ثلاثة أذرع، ثم بني باللبن ـ أي الطوب الأخضر ـ واشترك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، وذلك بعد حفر الأساس والمشاركة فيه، وهذا معناه أن المسجد يستحق أن يتعاون في رفعه وإقامته كل الجهود والقوى، لأنه رمز شريف يمثل عزة الأمة وسمو الدين الذي تدين به، ومع الأخذ في الاعتبار أنه لله، ولأنه لله فلابد أن تكون أرضه خالصة من كل نجس وكل مؤذ ضار.!!
ولقد رويت روايات صحيحة أن الصحابة كانوا يتناشدون وهم يعملون، فإذا رأوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يعمل مثلهم أخذهم الحماس والاجتهاد، حتى قالوا رجزا :
لئن قعدنا والرسول يعمل... لذاك منا العمل المضلل
حتى تم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت، وقد تتفلت الكلاب فتغدو فيه وتروح، هذا البناء البسيط الساذج هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة، فيه أذن الله عز وجل لنبيه أن يؤم بالقرآن خيرة من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل..!!
إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وترتيب صفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكن الناس لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة، استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة تضم مصلين أقزاما..!!
أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها وتذهيبها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام، كل فرد منهم بين الناس عنوان على الإسلام بقيمه وآدابه العليا..!!
وأما البناء الذي بناه الإسلام كمقر لاجتماع جماعة المسلمين، فهو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبث به أشد تشبث، وهو وصل العباد بربهم وصلا يتجدد مع الزمن ويتكرر مع تعاقب الليل والنهار فلا قيمة لحضارة تذهل عن عبادة الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتقلب المعروف منكرا.
بقلم - علي عيد
