الدكتور خالد عبد العليم متولي من الدعاة العاملين بالدولة وهو من خلال عمله في مجال التحاليل الطبية ورغم حصوله على المؤهلات الشرعية لم يحجب بصره وبصيرته عن غاية المسلم في الحياة ومهمته الأولى فيها «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين«. ووجد أن الدعوة وما يتبعها من كثرة الأسفار والتأليف في العلوم الشرعية والخطابة فيها أثر كبير في قلوب الناس، ولاسيما إذا علموا أنه مثلهم صاحب وظيفة ومهنة وليس منقطعا لهذا العمل التطوعي.
وبدأنا معه الحوار حول حركة المسلم في الدنيا فقال إن المسلم مميز عن غيره في الدوافع المحركة للسعي والطلب وكذلك في الغايات والمقاصد، فهو يسعى طاعة لله الذي أمر بالسعي والأخذ بالأسباب مع يقينه أن الله هو الذي سيرزقه وليس السبب، والغاية من هذا السعي هي قضاء الضرورة والحاجة وليس المباهاة والمكاثرة، ومن هنا فإن قلَّت الأموال وضعفت الأسباب فإنه لا يتفكك ولا ينهار، ولا يبحث عن الانتحار كوسيلة لخلاصه من ألم الفقد والحرمان في هذه الحياة، كما يحدث في بلاد حائرة ضائعة تدعي الحضارة والمدنية بينما العقد النفسية تنخر في كيانها من الداخل.
ويضيف أنه هنا حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب المسلم وعقله عندما يقرأ الواقع ويترجم أحداث الحياة ببصيرة واعية: وهي أن السعي على المعاش عبادة، مهما كانت النتائج المترتبة على هذا السعي، لأن المسلم مأمور بالسعي امتثالا لأمر الله، أما النتائج فهي في يد الله سبحانه، فقد يأخذ المريض الدواء ويموت فهل نترك التداوي والعلاج ؟ قد يتاجر التاجر ويخسر رأس ماله ولا يربح فلسا فهل نتوقف عن التجارة ؟ قد يزرع الزارع أرضه وتأتي عاصفة أو صاعقة فتحرق بستانه فهل نكف عن الزراعة ؟
ويشير إلى الحقيقة التي يؤكدها ديننا في نصوص كثيرة وهي أنه لا انفصام بين ديننا ودنيانا، فالدين هو الذي شرع لنا منهج الحياة في العقيدة والعبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق، وهذه الشعب الخمسة هي الدين الكامل الذي ارتضاه الله لنا، ونزلت هذه الآية في حجة الوداع : «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا«.
ويقول: أريد التأكيد على شيء تميزت به شريعة الإسلام وأكدته نصوص الكتاب والسنة وهو : أنه لا رهبانية في الإسلام وكذلك لا شهوانية في الإسلام، فالرهبانية انقطاع عن الحياة بسبب العبادة، والشهوانية انكباب على الحياة مع نسيان الآخرة، ولكن الإسلام جاء بالربانية، وهي عمارة الحياة بالدين، وعلمنا كيف تصبح دنيانا دينا بطاعة ربنا، فالزواج عبادة رغم أنه شهوة وحظ للنفس، والتجارة والبيع والشراء عبادة، والتاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة، و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والتي تليها «، وقال أيضا لما سئل عن أفضل الكسب فقال : « بيع مبرور، وعمل الرجل بيده «.
وهنا لا بد من تقرير بعض الأمور وهي أنه لا يمنعني ديني بلوغ أرقى مراتب العلم بل يدفعني إلى هذا دفعا وترغيبا، فالمسلم أحق بهذه العلوم من غيره، والجمع بين العلوم الكونية والشرعية كان من عادة سلف الأمة الصالح، فالإمام الرازي صاحب التفسير الكبير كان طبيبا، وابن رشد صاحب كتاب « بداية المجتهد ونهاية المقتصد « في الفقه المقارن هو صاحب كتاب « الكليات « في الطب، والإمام الخوارزمي كان يعالج بعض مسائل الميراث في الفقه، فوجد نفسه يضع علم الجبر في الحساب وهو العلم الذي تدين له الدنيا كلها وبدايته كان لفقيه من فقهاء الأمة.
البركة في العمر وفي الوقت من الله بحسب الهمم في القلوب، والهمم أرزاق، ولولا عون الله للعبد لما أنجز شيئا. وعن صحبة العلماء قال إن صحبة العالم المربي لها أبلغ الأثر في صياغة العقل وتطهير النفس وبناء الأسس الصحيحة الراسخة لعلم نافع يثمر عملا صالحا، فالداعية البصير والفقيه المفتي والعالم المربي، كل هؤلاء يؤثرون في الناس أولا بإخلاصهم وصدقهم مع الله، وثانيا بعلمهم المتين وحكمتهم الواعية ورحمتهم وشفقتهم على الخلق، وقلما تجتمع هذه الخصال إلا فيمن تعب وسهر وأضنى نفسه باستيعاب علوم عصره.
ومما أفادني في مقتبل حياتي نعمة الله عليَّ بصحبة جدي للوالدة رحمه الله، فقد كان منقطعا للعلم ومتبحرا في اللغة وعلوم التفسير، ما زرته مرة إلا وفي يده تفسير القرطبي وكان يدون في هوامشه ما يستوقفه من معاني رائعة أو حكم فقهي يريد الرجوع إليه أو قصة نافعة أو حديث يستشهد به، فتعلمت منه كيفية القراءة النافعة للكتب وأهمية تدوين ما في بطون الكتب من درر غالية يسهل الرجوع إليها لحفظها والعمل بها وتعليمها أو للاستشهاد بها عند كتابة بحث أو تأليف كتاب.
كان الجد مرحا ذا دعابة رغم بلوغه الثمانين من العمر وزيادة بضع سنوات، وتميز بخصلتين : كثرة ذكر الله في كل حال، والاستفادة القصوى من الوقت فلا تضيع منه لحظة بغير فائدة، ومنه تعلمت حب الذكر وأنا في طريقي للجامعة، وحب الخلوة في المسجد لا سيما بعد صلاة الفجر إلى الإشراق، أو إلى منتصف النهار في أوقات الإجازات ولاسيما عند ذهابي للقرية بالصيف في مسجد القرية الكبير، وكان الجد يكثر من صلة الرحم وزيارة الأصحاب.
وفي عامة زياراته كان يحب المشي، فكانت تطول بنا المسافات ونقطع الطريق الطويل في استفادة طرفة أدبية ومعلومة لغوية أو حكم فقهي، ولا أكاد أشعر بالوقت، لقد جعلني هذا أعرف أن حلاوة تحصيل العلم من هذا البحر الزاخر لا توازيها مرارة التعب في المشي كيلو مترات طويلة، ولم يضيع الله هذه الخطوات المباركة التي كان لها أبلغ الأثر في حياتي.
في حياتي مع جدي موقفان لا أنساهما، أحدهما علمني قيمة الوقت وأهمية الوعد، والثاني علمني الانشغال بمعالي الأمور والزهد في سفاسفها:
أما الأول : فكان بيني وبين جدي موعدا فتأخرت عليه، فقال لي : يا خالد أنت حر في وقتك ولكنك لست حرا في أوقات الآخرين !!! فظلت هذه الكلمة حية في أذني منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما فلا أتأخر عن موعد فضلا عن إعطاء موعد فأخلفه إلا إذا طرأ ما لا أستطيع رده ودفعه.
والثاني : كنت اسأل في بعض موضوعات الخلاف الفرعية، فقال لي جدي: يا خالد، كل علم لا ينبني عليه عمل إنما هو من التكلف الذي نهينا عنه شرعا، وهو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
حوار ـ ماهر سقا أميني


