الأخوة الإيمانية والإنسانية هي العامل المشترك الذي يربط بين المسلم وأخيه المسلم.. لا فرق في ذلك بين عربي وأعجمي، أو أبيض أو أسود أو خادم أو مخدوم... من هذا المنطلق جاءت تعاليم الدين الإسلامي عبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مؤكدة على حُسن معاملة الخادم وإكرامه في شتى مناحي الحياة من مأكل ومشرب ومسكن؛ بشكل يحافظ على إنسانيته، ويكفل له حقوقه.

في رأي د.محمد عبدالمنعم البري - أستاذ الأديان بجامعة الأزهر فإنه إذا كانت هناك حقوق للخادم أكدها الإسلام؛ فإن هناك أيضًا صفات يجب أن يتصف بها حتى يستحق حقوقه؛ ومن هذه الصفات الأمانة والصدق، وعدم التجسس على المخدومين.

وأوضح أن تعاليم الإسلام أكدت حُسن معاملة الخدم، وذلك من خلال عدم الإساءة إليهم مهما بدر منهم من إساءة، أو أفعال لا يرضى عنها المخدومون، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله لي خادمًا يسيء لي ويظلم.. أفأضربه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعفو عنه كل يوم سبعين مرة(.

ويشير البري إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه» أي «طبخة واعدة»، وهذا يعني ضرورة أن يقوم المخدوم بتوفير المأكل المناسب الذي لابد أن يكون من نفس نوعية أكل المخدوم، وكذلك الأمر بالنسبة للملبس، وسبل الرعاية المختلفة، وهي حقوق أكدها الإسلام، واعتنى بها انطلاقًا من مبدأ الأخوة الإنسانية.

د.مصطفى الشكعة - عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا أكد أن من معالم حُسن معاملة الخادم إعطاؤه من الأجر ما يناسب عمله الذي قام به، وبالتالي لا يجب استغلال حاجة الخادم، أو فقره لإعطائه أجرًا زهيدًا أقل من الأجر الذي يستحقه.

يضيف الشكعة: لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في معاملة الخدم حيث كان يعاملهم معاملة الوالد الرحيم لولده، والأخ لأخيه، ويكفي أنه صلى الله عليه وسلم كان قد خصص وقتًا يجتمع فيه مع الخدم لتعليمهم عملاً بتعاليم الإسلام التي أكدت أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

ويشير إلى أن هناك خدمًا من الرجال يجوز للمرأة أن تتخلى عن حجابها أمامهم وهم غير أولي الإربة أي ليس لديهم شهوة في النساء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله{أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال}.

جانب آخر من حُسن معاملة الخدم ، يشير إليه الشيخ فرحات المنجي من كبار علماء الأزهر وهذا الجانب هو عدم تكليفهم بإيقاظ الصبية البالغين من النوم حتى لا يطلع على عوراتهم دون قصد منهم، كما يجب عدم شتمهم، أو ضربهم، فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: (كنت أضرب غلامًا لي فسمعت خلفي صوتًا اعلم أبا مسعود. اعلم أبا مسعود (مرتين) أن الله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم).

يؤكد المنجي أن السخرية من الخدم أو الاستهانة بهم أمر لا تقره تعاليم الدين الإسلامي لقوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم). ويؤكد د.عبدالغفار هلال - عميد كلية الدراسات العربية بجامعة الأزهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نموذجًا في معاملة خادميه.

مشيرًا إلى أنه عندما قدم النبي إلى المدينة مهاجرًا قالت له أم سليم رضي الله عنها «هذا غلامي أنس يخدمك» فقبله صلى الله عليه وسلم وكان عمره آنذاك عشر سنين، فخدم أنس الرسول عشر سنين، وقال «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا شيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًا أو حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم». ويشير هلال إلى أن الرسول أمر بمعاملة الخدم من منطلق الأخوة الإيمانية والإنسانية؛ لذا رفع من شأنهم بل جعلهم سببًا في الرزق، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم».

وبناء على ذلك - كما يضيف هلال - فإن ما يقع من ظلم وإهانة وسخرية من أصحاب البيوت للخدم أمر لا يقره الإسلام؛ بل ينهي عنه ويحذر منه، فعن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر الغفاري، فقال: إني سببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم).

ولأن ظروف العصر الحالي تختلف عن تلك الظروف التي كانت سائدة في أيام رسول صلى الله عليه وسلم من حيث التمسك بالدين وتعاليمه يشير د.أبوسريع عبدالهادي - أستاذ الشريعة أن الخادمة المُرضع، أو المربية لا يجب أن يلجأ إليها البيت المسلم إلا في حالات الحاجة والمرض المعدي، أو وفاة الأم على أن يكون ذلك في إطار عدد من الضوابط كأن تكون الخادمة مؤمنة بالله ورسوله، وتتصف ببعض الصفات مثل الصدق، الأمانة، الالتزام بخلق الإسلام.

يؤكد عبدالهادي أن المخدوم عليه أن يدرك جيدًا أن خادمه هو أخ له، ويجب عليه أن يطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ويسكنه في مسكن آدمي مناسب يقيه الحر والبرد والمطر. ويؤكد أستاذ الشريعة أنه إذا كان الخادم أو الخادمة مطالبا بعدم التجسس على أصحاب البيت، فالأمر كذلك لأصحاب البيت فهم مطالبون أيضًا بعدم التجسس على الخدم، لكن إذا وجدت الحاجة لتحقيق مصلحة ودرء لمفسدة فإنه جائز في هذه الحالة مراقبة الخدم، ومتابعة سلوكياتهم.

لاسيما إذا شعر المخدوم بأن هناك ريبة معينة في سلوك الخادم، أو الخادمة، شريطة أن تكون هذه المراقبة أو التجسس بهدف تقويم الاعوجاج، والمحافظة على استقامة الأخلاق، ولكي لا يقع الزوج في أخطاء شرعية - والكلام لعبد الهادي - ينبغي إذا اقتضت الضرورة متابعة سلوكيات بعض الخدم أن تقوم الزوجة المخدومة بمتابعة الخادمة، وعلى الرجل المخدوم أن يراقب الخادم، وذلك حرصًا على عدم الوقوع في المحظورات.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية