يظن كثير من المسلمين وغير المسلمين أن الإسلام هو الذي دعا إلى تعدد الزوجات أو أمر به أو فرضه على المسلمين، ويؤخذ هذا الظن من جانب البعض للهجوم على الإسلام وعلى المتدينين بحجة دعوتهم للتعدد، رغم ان تعدد الزوجات سابق على ظهور الإسلام بقرون عديدة، ومن يكلف نفسه عناء بسيطا للبحث عن هذه القضية سيجد أن الحضارات القديمة والشعوب الحديثة عرفت تعدد الزوجات.
وهذا ما عرفناه من خلال مركز الأبحاث والدراسات بدار الإفتاء والبحوث المصرية الذي دافع عن حق الرجل في تعدد الزوجات، في مواجهة الدعاوى المطالبة بتقييد الزواج، وآخرها طلب لجمعيات حقوق المرأة في مصر لتضمينه في مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية مما أثار جدلاً فقهيا وقانونيا على مستوى العلماء والمفكرين.
وكان رد دار الإفتاء والبحوث أن هذا الأمر لا ينفرد به الرجل المسلم، كما يعتقد الكثيرون، بل تقره جميع الكتب السماوية، وذكرت أن الإسلام لم يُنشئ التعدد، وإنما حدده، ولم يأمر بالتعدد على سبيل الوجوب، وإنما رخص فيه وقيدَه لمن كان في حاجة إليه، وله فائدة عظيمة في ظل ما يشهده العالم من الانحلال الأخلاقي كتعدد الصديقات والذي لا حلَّ لها سوى هذا التشريع الإلهي الحكيم.
وأشارت دار الإفتاء في الدراسة التي نشرتها على موقعها على الإنترنت إلى أن الأديان الأخرى تبيح التعدد، ولا يوجد في الكتاب المقدس نص بتحريمه؛ كذلك فإن التوراة فيها إثبات التعدد عن كثير من رسل الله، منهم نبي الله إبراهيم ويعقوب وداود- عليهم جميعا وعلى نبينا الصلاة والسلام- كما أنه أمر مستقر في سائر الحضارات، حيث كان التعدد منتشرا بين الفراعنة، وأشهرهم رمسيس الثاني، الذي كان له ثماني زوجات، وعشرات الجواري، وأنجب أكثر من مئة وخمسين ولدا وبنتا.
وقالت إن تعدد الزوجات كان شائعا أيضا في الشعوب ذات الأصل «السلافي»، وهى التي تُسمَّى الآن بالروس والصرب والتشيك والسلوفاك، ومعظم سكان ليتوانيا واستونيا ومقدونيا ورومانيا وبلغاريا، لكن الإسلام قيد هذا التعدد بألا يزيد على أربع وجعله مشروطا بالعدل بين الزوجات، ولم يأمر كل مسلم بالتعدد، لكنه جعل التعدد مباحا، فمن كانت له قدرة عليه ويستطيع الوفاء بحقِّه جاز له.
هذا هو ما أوضحته إدارة الإفتاء والبحوث وأوضحه كثير من العلماء المشهود لهم بالعلم والفقه من قبل وبينوه حتى لا تكون الآية التي نظمت عملية التعدد ذريعة للتهجم أو لي عنق الحقيقة، فيقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة»، وفي السورة نفسها وفي موضع آخر نقرأ قوله سبحانه: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم».
إذن فالتنظيم كان مطلوبا من أجل أن تطمئن البيوت وتبنى الأسر على أسس سليمة وبعيدة عن هوى البعض.
السيد الطنطاوي