قال الشيخ : عم البلاء في كل الأرض وبلغت القلوب الحناجر، وهدد كثيرون في أرزاقهم ومساكنهم وحتى في تعليمهم لأولادهم، واستحكم الغلاء ثم تبخرت الأموال وضاع معها كثير من الأحلام، وضج الناس وضاقت منهم الصدور، ووقف كثيرون أمام الحاجة وجها لوجه ربما للمرة الأولى... ولم تفلح كل عمليات التجميل والتزيين في إخفاء واقع المصاب فإلى أين المفر .
لقد عاش العالم سنين طويلة وهو ينظر إلى الأرض حتى أنه كاد أن ينسى أن يرفع رأسه ويديه إلى السماء، صحيح أن الإنسان جحود وكنود، وصحيح أنه هلوع ومنوع وجزوع، ولكننا غفلنا إلى ما بعد حدود الغفلة... ونسينا إلى ما بعد حدود النسيان، فلماذا لا ننظر إلى ما نحن فيه على أنه فرصة للمراجعة والاختبار، والمحاسبة والاعتبار، والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم علمنا ان ندعو الا تكون مصيبتنا في ديننا والا تكون الدنيا مبلغ علمنا وكل همنا، وما احسب ان كثيرين منا في العقود الماضية قد انتبهوا إلى ذلك، فقد ملأت الدنيا قلوبنا وعقولنا ونهاراتنا وليالينا حتى صح وصفنا بأننا أصحاب مصيبة في ديننا.. وإذا نجحنا في ان نرى في البلاء وقد استحكم فرصة العودة إلى الله نكون قد ربحنا وفزنا فوزا عظيما مهما كانت خسائر الأموال.
إنني أدعو هنا إلى اعتبار البلاء الذي حل نعمة لا نقمة، نعمة العودة إلى الافتقار إلى الله والخشية منه وإقامة ما وجب من العبادات وغيرها من النوافل، وإقامة شرع الله في سلوكياتنا ومعاملاتنا وأحكامنا، عندها والله قد نخرق بأرواحنا حجب المادة السميكة ونحقق الفوز الأكبر.. وهو الفوز بالله، فضلا عن الكرم الإلهي ان جأرنا اليه بالدعاء بقلوب منكسرة ويقظة ومحبة، فيعوضنا عن خسائرنا ويبدلنا بعوضه الكريم خوفنا امنا وفقرنا غنى.
قد يقول قائل : ما الذي يهرف به الشيخ!! أقول ضعوا ما تشاؤون من خطط للإنقاذ ولإعادة الهيكلة والبناء... الله نفسه قد أمرنا بهذا، ولكن لماذا لا تطرقون باب الكريم ولماذا لا تصلحون ما بينكم وبين الرحمن الرحيم؟ ولماذا لا تعتبرون بما وصلنا اليه نتيجة الإعراض عن الله وذكره؟ ولماذا لا نحاسب أنفسنا جميعا عما اقترفناه في حق الله وحق أنفسنا .
وهناك حل اخر لمن لا يقدر ما نقول... ابحث يا سيدي عن ارض غير هذه الأرض وعن سماء أخرى غير هذه السماء، وعن عالم لا يخضع لمشيئة الله ولا يسير وفق قضاء الله وقدره وعش هناك لعلك تستريح وتريح .
خسرنا المال وخسرنا الوظيفة خسرنا المسكن... كل هذا صحيح ولكن الم يان الاوان لنسال أنفسنا لماذا خسرنا ديننا وماذا تعني هذه الخسارة . يقول ابن قيم الجوزية : النعيم التام هو في الدين الحق علما وعملا فأهله هم أصحاب النعيم الكامل ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة 38 .
وقد اجمع جمهور العلماء على ان هذا الأمان من الخوف والحزن هو في الدنيا والآخرة، هو في الدنيا لان إقامة شرع الله تصلح أمور الدنيا وتمنع التظالم ويشيع الحب والعدل والكرم والجود، كما انه في الآخرة لان الدنيا كلها دار اختبار وما حياتنا فيها الا كعابري سبيل، والآخرة خير وأبقى. عملت شطرا من حياتي في التجارة....
وفي يوم كساد كنت جالسا في متجري وعلامات الوجوم والهم على وجهي دخل على رجل أمي كان يشتري بضاعة من السوق ويبيعها للبيوت وفي المدارس، قال لي : ما بك؟ شكوت له الأسواق وركودها، فضحك وقال : وهل تريد أن تعمل اثني عشر شهرا في العام كما تعمل في المواسم؟ والله لو حدث هذا لكفرت وكفر الناس، فقبض الله ومنعه ما دام من الله وبيد الله يجب ألا يحزننا، لانه في اسوا الاحوال دواء القلوب الغافلة والله اعلم .
ماهر سقا أميني
