إحدى كبريات القضايا المصيرية اليوم في تحديد هويتنا ونجاح مشروعنا وتنمية مجتمعاتنا ونجاعة علاقتنا بمن حولنا، وحتى في تحديد وجودنا من عدمه أمة تدعو إلى الخير ورفاهية الناس روحًا ومادة، تكمن أساسًا في ماهية الفتوى وماهية الفقيه والعلاقة المرجوة مع هذا الواقع المتجدد المليء بالتحديات.

وليس المفتي نجما طارقا يعيش بين جدران مدرسته أو مركزه أو مسجده، وليس المفتي لغزا منغلقا على ذاته، يركن إلى صومعته ولا يتحدث إلا من منطلق العارف المطلق وما سواه العدم، وليس الفقيه درة مصونة تخاف الأيدي ومخالطة الناس حتى لا يقل بريقها ويخفت إشعاعها، ولكنه مواطن قبل ذلك يعيش بين أضلع مجتمع، يأكل خبزهم ويشرب ماءهم، ويمشي في أسواقهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.

وإذا كانت الجماهير مقتصرة في الأيام الخوالي على أبناء الحي والبلدة والبلاد، فإن الثورة التكنولوجية وتقارب البلدان وانتشار المعلومة جعل من العالم قرية كونية، ومن الجماهير سكان العالم، إذا عرف الفقيه عن قرب ولمس بدقة هموم هذا الطرف أو ذاك، وفقه واقعه بكل ملابساته.

هذا الاختلاط بهموم الناس ومعايشة محنهم ونعمهم يولد هذه الاستجابة العينية والمباشرة لكل سؤال أو قضية يتعرض لها هذا الوطن، وتعطي للفتوى التصاقا كاملا بمشاغل الناس، فتنطلق منهم لتعود إليهم، ولا تكون مسقطة على حالهم تنطلق من الكتب الصفراء لتعود إليها، وكأنها تستجيب للتاريخ ولا تستجيب للجغرافيا.

الجماهير جزء من هذا الواقع المتحرك والمتجدد، وما يعنينا هو هذه البيئة المادية التي تتحرك فيها الفتوى، من علاقات ومعطيات وسلوكيات وثقافة وعقليات وتواريخ ومستويات تنمية، فلا تتساوى فتاوى تتنزل في إطار يعيش الوفرة والسلام والأمن والاستقرار، مع إطار يعيش الندرة والضيق والخوف والرعب، ولا تتساوى فتوى الحي والقرية مع فتوى المدينة والبلاد، ولا تتماثل فتوى يطلبها فرد، مع فتوى تخص جماعة أو تلمس المجموعة.

وهذه العلاقة مع الواقع تتطلب -ولا شك- فقها وعلما وحكمة، فلا يكفي علم الفقيه لاعتبار الفتوى صالحة، ولكن معرفته بإطارها المادي الذي تتنزل فيه، تعتبر مؤشر نجاحها وصلاحها، أو فشلها وطلاحها.

وإذا ابتعد الفقيه المفتي عن اعتبار الحكمة جزءا أساسيا في عملية اختمار الفتوى وتنزلها، فإنه يقع في مطب التعسف على الواقع وليّ عنقه وإسقاط رأيه عليه دون الإلمام الكامل بمعطياته.

والفتوى لها شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم ولهذا ورد الوعيد.

ففي حديث الدارمي عن عبيد الله بن جعفر مرسلاً (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار).

وأخرج الشيخان عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

وفي هذا الإطار أطلقت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخير بدبي مؤخراً مشروع (المفتي المواطن) لإعداد وتأهيل شباب الوطن للإفتاء خدمة للإسلام على المستوى المحلي والإقليمي تماشياً مع توجهات الدائرة الإستراتيجية لتأهيل موارد بشرية مواطنة كفؤة تخدم وطنها ودينها بشرف. وتخريج مفتي مواطن يكون بصيراً بعادات وتقاليد البلاد ليكون أقرب إلى الحل في بعض المشكلات والفتاوى التي هي من صميم عادات وأعراف أهل المنطقة.

فالعرف مهم في إسداء الفتوى، وهو ما يتعارف عليه الناس كالمعروف والعادة، وحجية العرف مستفادة من الكتاب والسنة، قال تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) وقوله تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) وقال جل شأنه: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وفي الحديث: (خذي ما يكفيك وأهلك بالمعروف) ومما يستدل به لحجية العرف السنة التقريرية لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم للناس على صنائعهم وتجاراتهم، قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين...) متفق عليه.

وعن مالك أنه خصص قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن).

بالعرف، قائلاً: إن المرأة الشريفة لا ترضع بناءً على العرف وهو يوجب الرضاع على غيرها.

والإمام أحمد يقول في الجائحة: إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ثمرة ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع.

فهذا يدل على أن العرف قد يكون أساساً لاستنباط الحكم فيخصص العام في دليل الاستحسان، إلا أن العرف قد يكون أساساً لتغير الفتوى، لهذا فإن العلماء لم يفرقوا بين مجتهد ولا مقلد فيما يتعلق بالعرف.

ومن الواضح أنهم يرون أن المقلد يتصرف طبقا للعرف، فيمكن أن يراجع مذهب إمامه على ضوئه، بل إنه يخالف ظاهر النص بسبب اختلاف العرف وبهذا الصدد نذكر اختلافهم في تغير العرف بالنسب لضمان ما أتلفته الماشية كما في حديث ناقة البراء، فإن على أهل الحوائط حفظ حوائطهم بالنهار وعلى أهل الماشية حفظ ما شيتهم بالليل، وفي حال تغير العرف بأن كان أهل الحوائط يحفظونها ليلاً وأهل الماشية يحفظونها نهاراً.

ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لابد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه.

فإذا أردنا نؤهل مفتياً لابد أن يكون بالغاً، ولا بد أن نراعي أمراً مهماً وهو أنه لا يتم اختيار المفتي المواطن لمجرد أنه أتم الدراسة الأكاديمية الشرعية، لأن ذلك وحده لا يكفي، لكن لا بد من وجود مؤهلات تؤهله لأن يتدرب على الإفتاء والفتيا، وهذه المؤهلات لا تتأتى إلا إذا كان حافظاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دارساً للفقه وأصوله على يد علماء أجلاء وهو ما يسمى في الأزهر بالأروقة حيث لكل عالم هناك مكان يجلس فيه للتدريس وله رواق خاص به كرواق الأتراك ورواق المغاربة وخلاف ذلك ويتم في هذه الأروقة تعليم الطلاب كيف يتعاملون مع كتب التراث بحثا وتعلماً وتعليماً مع ربط ذلك بالواقع المعاش، لقول الله تعالى: (الرحمن فاسأل به خبيرا) فيشترط فيمن يريد أن يكون مفتياً في المستقبل أن تكون لديه الملكة في استنباط الأحكام، وكذلك التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وتوظيفها بما يناسب الحال والمقام.

د. محمد أبو الشيخ