يعاني الوطن العربي من نقص ملحوظ في تأمين الغذاء لسكانه الذين يزيدون عن 300 مليون نسمة، إذ لا يكفي ما ينتجه من غذاء لإطعام كل السكان وتتفاوت نسب النقص من دولة لأخرى رغم ما يبذل من جهود لزيادة الرقعة الزراعية وتقليل استيراد المواد الغذائية في الوقت الذي أصبح فيه هاجس تحقيق الأمن الغذائي مشكلة تؤرق المسؤولين والمفكرين في الوطن العربي على حد سواء لما لها من جوانب وأضرار سلبية على الاقتصاد العربي.

العديد من المشاريع الإنتاجية المحلية والمشتركة تم إقامتها في الوطن العربي لتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ولكن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ما زال بعيد المنال حتى الآن، بل إن بعض الدول العربية تعاني من مجاعة وتجد صعوبة في تأمين لقمة العيش لأبنائها مما دفع بعضهم للخروج في مظاهرات غاضبة ضد هذا الوضع فيما حذر آخرون من عواقب «ثورة الجوعى». وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان «الأمن الغذائي العربي : واقعه وسبل تحقيقه» دعت لها مجموعة من ذوي الاختصاص والأكاديميين لمناقشة مشكلة الغذاء في الوطن العربي وكيفية الخروج منها.

أجمع المتحدثون في الجزء الأول من الندوة على ضرورة تحقيق الأمن الغذائي العربي وأهمية التعاون العربي المشترك في هذا المجال وإلا فسوف يبقى العرب مرتهنين للخارج في توفير قوت مواطنيهم وما يعنيه هذا الأمر من انتقاص لسيادتهم وقراراتهم السياسية، وفي المحور الثاني من الندوة أكد المشاركون على أهمية الاستغلال الأمثل للموارد والبحث العلمي سبيلا للتخلص من المشكلة الغذائية وفي الجزء الأخير من الندوة ركز المتحدثون على دور الدول وضرورة أخذها بزمام المبادرة وإعداد البنى التحتية لتشجيع القطاع الخاص على الدخول بقوة في مجال الزراعة والصناعات المتعلقة بها وفيما يلي التفاصيل :

* د.محمد الشامي:علينا أن نطرح سؤالا حول مدى الاستفادة مما تم من مشاريع سابقة؟ وهل تمت الاستفادة الكاملة في بلداننا العربية المختلفة من مشاركاتها في المؤتمرات الدولية ؟ فأول مؤتمر عالمي للغذاء عقد في روما عام 1974 ثم تم إنشاء مجلس الغذاء العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية بالإضافة لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية والمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية، وعند الحديث عن المشاريع الزراعية فقد تكون متواضعة في بعض البلدان بينما هناك مشاريع ذات طموحات كبيرة بين البلدان العربية ولكنها لم تصل إلى الحد المطلوب وما زالت المحاولات دائمة للنهوض بالزراعة والإنتاج الزراعي من خلال مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والمؤسسات المنبثقة عن الاتفاقيات الثنائية بين الدول العربية والتي رغم أن عددها بالعشرات إلا أنها بحاجة للتفعيل.

وهنا يجب إعادة النظر في المشاريع القائمة وتلك المخطط لها حتى يتم الاستفادة القصوى منها، فتحقيق الأمن الغذائي مرتبط بالأوضاع الاقتصادية الأخرى مثل القطاعات الصناعية والتجارية والتكنولوجية، ومثلا عندما نقول إن إحدى دولنا العربية لديها ثروة حيوانية هائلة فعلينا أن نعود ونبحث عن مدى الاستخدام الحديث والميكنة سواء في تربية المواشي والزراعة وصيد الأسماك فالبلدان العربية لديها شواطئ واسعة ولكنها ما زالت تعتمد على الوسائل التقليدية في الصيد وهنا تكمن أهمية الاستثمار في إدخال التكنولوجيا إلى كل هذه المجالات.

حسن الإدارة

اقتصاديا نعرف أن الكثيرين يبتعدون عن الاستثمار في القطاع الزراعي لان المخاطرة فيه مرتفعة نظرا للتقلبات المناخية بالنسبة للزراعة واحتمال الإصابة بالأمراض بالنسبة للماشية وقضايا البيئة في عمليات صيد الأسماك، وبسبب أن العائدات من هذه القطاعات تأخذ وقتا أطول من القطاعات الأخرى سريعة العوائد مثل قطاعات العقارات والأسهم، وهنا يجب أن نعود إلى أهمية قضية تدخل الحكومات وتشجيعها للاستثمار في قطاعات الغذاء واعتقد أن الصناديق المالية لديها القدرة الكبيرة على المساهمة في هذا الجانب كما أن لدى أصحاب رؤوس الأموال الرغبة في الاستثمار في هذه المجالات.

ونحن عندما نتحدث عن القدرة على توفير الغذاء فان الدول ضعيفة القدرات الاقتصادية يصعب عليها توفير الغذاء لشعوبها فتحقيق الأمن الغذائي يعني القدرة على توفير السلع الغذائية والاستمرار في توفيرها بأسعار مناسبة لان الاستمرارية مهمة جدا لإبعاد جوانب القلق لدى المواطنين البسطاء ذوي الدخل المتواضع بالإضافة لضمان الجودة في السلع الغذائية وما يشمله ما نسميه الأمان الغذائي، فبعض الدول العربية للأسف ما زالت تستخدم الكيماويات والمخصبات لزيادة إنتاج الغذاء، كما يرتبط بكل هذه الأمور الجوانب التسويقية فالكثير من منتجاتنا العربية لم تصل إلى المستوى العالمي من التقنية والتخزين والتغليف وهذه المسائل يجب التركيز عليها في مشاريعنا المختلفة.

وعند الحديث عن مختلف المشتقات الغذائية وزيادتها علينا الاهتمام بعنصر الإنتاج، فلماذا عندنا تنخفض إنتاجية الهكتار عنه في الهند أو هولندا مثلا؟ فزيادة إنتاجية وحدة المساحة نفسها يجب أن نوليها اهتماما خاصا وهذا يتأتى بالبحث العلمي الزراعي وعند صرف أموال طائلة في منتجات زراعية اقل قيمة.

أما موضوع تنمية القطاع الزراعي من خلال المشاريع الكبيرة ودعم الناتج القومي المحلي فانا اتفق مع الأستاذ رضوان بأنه لم يعد الناتج المحلي هو المعيار الأساسي في هذا المجال فقد تكون التكاليف كبيرة في مجال تدمير البيئة وفي مجال الصيد الجائر للأسماك وتدمير المساحات الخضراء وانتشار التصحر واستنزاف المياه لإنتاج محاصيل زراعية يمكننا استيرادها بتكاليف اقل من إنتاجها، وهذا كله يمكن التوصل إليه من خلال الإدارة الجيدة لعناصر الإنتاج واستخدام القرار الصحيح.

ولو نظرنا إلى الكثير من المشاريع التي أقيمت في بعض البلدان العربية سواء كانت مشاريع محلية أو مشتركة فقد فشل بعضها فيما حقق الآخر النجاح وكانت أسباب الفشل عديدة وعلينا هنا تقييم أسباب الفشل لكي نستفيد مستقبلا من الأخطاء، وبعض هذه المشاريع كانت انعكاسا لأنظمة سياسية معينة واتخذت الطابع الشمولي الاشتراكي في قضاياه الإدارة وغيرها وقد كان لسوء الإدارة وخاصة في المشاريع الحكومية هو السبب الرئيسي لعدم نجاحها، كما اتخذت مشاريع أخرى طابعا رأسماليا ليبراليا ولكنها لم تكن مدروسة من مختلف جوانبها وكانت ارتجالية وعبارة عن ردود فعل ولذلك كانت النتائج سيئة.

كما أن ضعف البنية التحتية في الدول التي أقيمت فيها هذه المشاريع سواء في مجال وسائل النقل والتخزين والتصنيع وعدم الاهتمام بالمعايير ومواصفات الجودة أدى إلى ضعف القوة التنافسية لهذه السلع أمام السلع الأجنبية الأخرى المشابهة لها ،فلو دخلنا احد المحلات التجارية لوجدنا السلع الغذائية كالخضار والفواكه موجودة فيها من أقصى بقاع الأرض بسبب قدرتها التنافسية.

وتعاني دول الوطن العربي من الضعف في الكفاءة الاقتصادية في تطبيق السياسات الزراعية المختلفة مثل سوء إدارة القطاع الزراعي والإعلان عن مشاريع زراعية غير مدروسة بالإضافة إلى عدم كفاءة المتخصصين في هذه المجالات وتهرب الطلبة من دراسة التخصصات المتعلقة بالطب البيطري والزراعة، والقضية كلها مرتبطة بشمولية التنمية فلا يمكن أن نتحدث عن قطاع الزراعة بمعزل عن قطاع التعليم والإدارة والصناعة فكلها متداخلة مع بعضها بعضا.

وعلينا إقناع أنفسنا بالمصالح الاقتصادية بين دولنا العربية بغض النظر عن بعض الإشكاليات السياسية فليس من العقلانية الانتظار حتى تتم التوافقات السياسية وهنا يجب إعادة النظر في المصالح العربية المشتركة وتنفيذ المشاريع الثنائية المتفق عليها والاهتمام بزيادة الإنتاج كما وكيفا لمواجهة الزيادة المتوقعة في عدد سكان الوطن العربي الذي سيصل إلى 450 مليون نسمة عام 2030 ويمكن الاستفادة من تجارب الدول الأوروبية والآسيوية في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين القطاع الزراعي عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة وتطوير التقنيات والاهتمام بالبحث العلمي وتطوير الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي.

* عبد الحميد رضوان : لابد من التأكيد على أن تأخذ الدولة المبادرة في قطاع الزراعة نظرا لان انخفاض العائد الحالي لا يشجع القطاع الخاص على الدخول في المجال الزراعي، أما إذا بادرت الدولة بإعداد البنى التحتية فان هذا يشجع القطاع الخاص على الدخول في القطاع الزراعي، فحتى أكثر الدول الرأسمالية الحرة في الاتحاد الأوروبي فان هذه الدول توفر دعما زراعيا يتخطى إجمالي الناتج المحلي لمجموعة من الدول، والدليل على ذلك النزاع بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي بسبب الدعم الزراعي وقد نجحت هذه الدول في إخراج قضية الدعم الزراعي من البحث في مفاوضات منظمة التجارة العالمية، وهذا يؤكد دور الدولة في توفير الحماية والمظلة للقطاع الزراعي.

مخزون استراتيجي

وعند حديثنا عن الأمن الغذائي فان الأمر مرتبط بالمخزون الاستراتيجي ففي عالم التجارة نقيس مدى قدرتنا على الاستيراد في كم شهر تغطيها احتياطاتنا من الواردات، والمخزون الاستراتيجي يمكن أن يكون جزءا من الإنتاج المحلي وجزءا من الاستيراد، وبخصوص الاستيراد فعلى وزراء التجارة في الدول العربية أن يقوموا بتحديد أهم المسيطرين الاستراتيجيين على مستوى العالم للسلع وتحديد خرائط استيرادية بأهم البدائل التي يمكن من خلالها الاستيراد بأقل تكلفة وبعيدا عن النزاعات المختلفة والتوازنات السياسية، لأنه إذا توفر ذلك نستطيع الحصول على السلع بأعلى جودة واقل تكلفة.

وكذلك علينا ترشيد الصادرات الزراعية العربية مع التنبيه إلى أن التكلفة الحقيقية لتصدير هذه السلع تفوق العائد منها مما يعود علينا بالخسائر، كما لا بد من إعادة النظر في هيكلة التنمية وإعطاء وزن اكبر للزراعة والاستثمارات الزراعية مع تشجيع التجارة البينية بين الدول العربية للسلع الزراعية وان كانت بتكلفة أعلى من خلال إنشاء صندوق لدعم الفرو قات الزراعية وهذا يتطلب توفير البنية الأساسية لنقل السلع الزراعية وضرورة إنشاء مشروع السكة الحديدية بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

* ماجد الشامسي:سيظل الحال كما هو عليه إن لم تتخذ خطوات عاجلة وموثوق بها من جميع حكومات الدول العربية من اجل تحديث وتطوير القطاعات الزراعية وحث مؤسسات التمويل على تفعيل دورها وفق اتفاقيات تضمن حقوق المستثمر واستخدام الاستثمارات ضمن إطار الأمن الغذائي وإعطاء الأولوية للمشروعات التي تساهم في إنتاج السلع الغذائية والإستراتيجية مثل الحبوب والزيوت النباتية واللحوم والأسماك، ولا بد من تطوير مؤسسات التسويق التي يمكن عن طريقها منافسة السلع العالمية في الأسواق العربية وتعتبر المملكة العربية السعودية أهم مصدر للدول العربية ولا بد من إزالة الحواجز أمام الصادرات العربية البينية.

تضافر الجهود

* د.شوقي ألبرغوثي: ان تطوير الإنتاجية الزراعية (لتحقيق الأمن الغذائي) مرتبط بتطوير كفاءة استخدام مياه الري (لتحقيق الأمن المائي)، وهذا يتم من خلال تبني مناهج متكاملة واضحة المعالم من خلال:

1- تطوير السياسات المائية والزراعية وخصوصاً في القطاع الزراعي لترشيد استهلاك المياه وزيادة كفاءة الاستخدام وتقليل الهدر تستند على حوافز مشجعة لتحقيق منافع لا تقل شأناً عن تطوير الجانب التقني لأنظمة الري وإتباع الأساليب الزراعية الحديثة.

2- تغيير الأنماط الزراعية وإنتاج محاصيل أكثر كفاءة للمزارعين لاسترداد تكاليف المياه.

3- تسعير المياه لتطوير قدرة المؤسسات المائية على الوفاء بالتزاماتها فمعظم الدول العربية تتبع نهج استرداد تكاليف الاستثمار والتشغيل والصيانة ولا يشمل ذلك التكاليف الرأسمالية.

4- تطوير تقنيات الري بالاعتماد على نظم الري الحديثة التي تقلل من الهدر وتزيد كفاءة وحدة المياه.

5- الاعتماد على مصادر المياه البديلة والتي تشمل المياه المالحة لإنتاج محاصيل الأعلاف وري الزراعات التجميلية وبعض المحاصيل الغذائية المتحملة للملوحة، والمياه العادمة المعالجة ثلاثياً لري الزراعات التجميلية وبعض محاصيل الأعلاف (وهذا يستدعي زيادة الوعي العام بأهميتها لتخفيف الضغط على مصادر المياه العذبة، وخلوها من الآثار الصحية). ومن مصادر المياه البديلة أيضاً مياه البحر المحلاة التي تعتمد عليها بعض الدول لتوفيرها للقطاع المنزلي بالرغم من ارتفاع تكاليفها.

6- تطوير المنتجات الزراعية من خلال الأبحاث لزيادة إنتاجيتها أو تطوير محاصيل بديلة تعتمد على مصادر المياه غير التقليدية كالمياه المالحة.

7- تطوير القدرات البشرية في مؤسسات قطاع المياه والقطاع الزراعي للمساهمة في وضع وتنفيذ السياسات والإجراءات التي تساهم في تحقيق الأمن المائي والغذائي.

8- زيادة الوعي الجماهيري للحد من الإسراف في استخدام المياه سواء في القطاع المنزلي أو الصناعي أو الزراعي، وتقبل سياسات التسعير والإصلاح التي تتخذها الحكومات ومن ضمنها الاعتماد على موارد المياه البديلة.

المركز الدولي للزراعة الملحية

تأسس المركز الدولي للزراعة الملحية في العام 1999 بمبادرة وتمويل من البنك الإسلامي للتنمية، واستضافته دولة الإمارات العربية المتحدة في مدينة دبي، وساهم في تمويله ودعم أبحاثه خلال السنوات الماضية الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وصندوق الأوبك للتنمية الدولية والصندوق الدولي للتنمية الزراعية والبنك الدولي وهيئة البيئة ؟ أبو ظبي وعدد من الجهات المانحة ومؤسسات القطاع الخاص العربية والدولية.

ابتدأ المركز منذ تشغيله بوضع خطة إستراتيجية محددة المعالم تهدف إلى المساهمة في حل أزمة الغذاء العالمية من خلال الاستخدام الأمثل لموارد المياه الهامشية في الإنتاج الزراعي، فتم التركيز خلال السنوات الأولى من عمل المركز على المياه المالحة لتشمل خلال السنوات الأخيرة موارد المياه العذبة والعادمة المعالجة والمحلاة ضمن منظومة الإدارة المتكاملة لموارد المياه وخاصة المياه غير التقليدية في الاستخدامات الزراعية والصناعية والمنزلية.

المشاركون

* ماجد الشامسي: رئيس الاتحاد التعاوني الاستهلاكي

* د. شوقي البرغوثي: مدير عام المركز الدولي للزراعة الملحية

* د. أحمد التيجاني: مدير عام شركة الروابي للألبان

* د. محمد الشامي: عميد كلية الإدارة والأعمال / جامعة عجمان

* عبدالحميد رضوان: خبير اقتصادي/ وزارة التجارة الخارجية

أدار الندوة وأعدها للنشر

* موسى أبو عيد

* تصوير: موهان