الله تعالى لم يخلق الإنسان في هذه الحياة عبثاً أو لمجرد أن يأكل ويشرب وإنما خلقه لرسالة يؤديها هي أن يكون خليفة الله في هذه الأرض يدرس ويجاهد وينتج ويعمر عابدا شاكرا ليقابله في نهاية المطاف بقلب سليم ونفس مطمئنة.
قال تعالى: «فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون» الجمعة 10، ويقول صلى الله عليه وسلم « اعلموا فكل ميسر لما خلق له»، ويقول «من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له» وورد في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم رأى يدا ورمت من كثرة العمل فقال «هذه يد يحبها الله ورسوله».
وأكثر من ذلك اعتبر الإسلام السعي إلى الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة فقد ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم رجل كثير العبادة فسأل من يقوم به فقالوا: أخوة فقال أخوة أعبد منه.
إن التنمية الاقتصادية في الإسلام فريضة وعبادة بل هي من أفضل ضروب العبادة والمسلمون قادة وشعوبا مقربون إلى الله تعالى بقدر تعميرهم للدنيا وأخذهم بأسباب التنمية الاقتصادية وقد لخص سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظرة الإسلام إلى الإنتاج والتنمية بقوله «والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة».
وقد عالج الفقهاء القدامى قضايا التنمية الاقتصادية مبينين بجلاء أنها ليست عملية إنتاج فقط وإنما هي عملية كفاية في الإنتاج مصحوبة بعدالة في التوزيع وأنها ليست عملية اقتصادية بحتة وإنما على عملية إنسانية تبتغي تنمية الإنسان وتقدمه المادي والروحي معاً.
إن الإسلام في اعترافه بالملكية سواء كانت عامة أو خاصة وفي نظرته إليها وتنظميه لها إنما أقام بذلك وسيلة إنمائية أي حافزا من حوافز التنمية بحيث تسقط الملكية إذا لم يحسن الفرد أو الدولة استخدام هذا المال استثمارا أو إنفاقا في مصلحة الجماعة، وقد عبر عن ذلك أبلغ تعبير سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لبلال رضي الله عنه وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم أرض العقيق «إن رسول الله لم يقطعك لتحجز عن الناس، وإنما أقطعك لتعمل فخذ ما قدرت على إعماره ورد الباقي».
وعبر القرن عن الفائض الاقتصادي الذي هو جوهر عملية التمويل بتعبيرات العفو والفضل وهو كل ما زاد عن الحاجة بغير ترف أو سرف، ودعا إلى ضرورة إنفاقه كله في سبيل الله أي في سبيل المجتمع وتعميره وتنميته، بل جعل علامة الاستلام هي دولة التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل الذي يستهدف صلاح الفرد مادياً روحياً.
وأن قيمة أي حكم في أي دولة هو بقدر ما يحققه لمجتمعه من تنمية حقيقية بشقيها الرخاء والعدل، والتنمية في النهاية ليست عملية فنية يكتفى فيها بمجرد إعداد الخطط و متابعة تنفيذها لدى القطاعين العام والخاص، بل لابد من تعبئة جميع المواطنين لها بحيث تكون مطلباً شعبياً ملحاً.
أحمد عبدالمجيد