أكد السيد علي الهاشمي المستشار للشؤون الدينية والقضائية في قصر الرئاسة عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، أنّ الله تبارك وتعالى بدأ خلق البشرية بنفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وفي ذلك تأكيد على وحدة الإنسانية، وأكد سبحانه وتعالى على صلة الرحم التي تربط الأمم والشعوب والقبائل والعشائر بعضها ببعض، حيث الكل يمتد لأصل واحد، فترق المشاعر، وتميل النفوس إلى التآلف والتعارف، ويتحقق بينها التعاون والترابط والتكامل مؤكدا أهمية التواصل بين الأمم استجابة لدعوى الله سبحانه وتعالى.
وذكر أن الإسلام يؤكد طبيعة العلاقة بين الناس و أن الخلاف بينهم تنوع لا تضاد، وتكامل لا تعارض أو تناقض، وتعاون لا صراع وتطاحن، فكلٌ يؤدي دوره في مكانه، وبقدراته، ووفق طبيعته، يقول سبحانه وتعالى: ؟«وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ» مشيرا الى أن الاختلاف بين الناس جعله الله تعالى آية تدل على كمال قدرته وبالغ حكمته.
و قال الهاشمي في البحث المقدم لمؤتمر الأزهر الشريف الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة مؤخرا على هامش اجتماعات العلماء المسلمين تحت عنوان «التعارف بين الحضارات جسور التواصل بين الأمم»، إننا نلاحظ أن هذا الاختلاف بين البشر على أي مستوى كان، وبخاصة المستوى الحضاري، اختلاف يستبطن غاية أو هدفاً وهو التعارف.
وأوضح أن آيات القرآن الكريم تقول : إن الله خلقنا مختلفين، أو أنه سبحانه وتعالى قد جعل بيننا القابلية للاختلاف لكي نتعارف، على أساس أن التعارف يتم بين متخالفين وليس بين متماثلين، وهذه إشارة إلى الوجه الإيجابي للاختلاف، غَرَضُها لفت اهتمام الإنسان إلى توظيف هذا الاختلاف لتحقيق أغراض حضارية، هي التعارف أولاً، ثم التعاون والتكامل، وليس التدافع إلا مرحلة أوَّلية ذات غاية مرحلية هي مجرد حماية الذات التي سوف يتعين عليها أن تعمل على الانتقال من مرحلة التقوقع على الذات إلى مرحلة الخروج من شرنقتها، والانفتاح على غيرها من الحضارات الأخرى، والتعرف عليها تعارف يحملُ معنى التبادل والتقابل والتفاعل.
وذكر الهاشمي أن التعارف يساعد الناس في فهم ذواتهم أكثر فأكثر، لأن معرفة الآخر تلفت النظر إلى ما عند الآخر، وإلى ما ليس عنده، وهذا يعرفنا بدوره على عناصر قوتنا وعلى عناصر ضعفنا، ومن ثم يساعدنا في الاستفادة من الجانب الثاني و معرفة ما لدى الآخر من قوة وضعف، ومن دون هذا التعارف يتعذر الانتقال إلى المراحل الأخرى في العلاقات بين الحضارات، وبسببه لا يبقى الآخر مجهولاً، ومن ثم عدواً وعنصراً مخيفاً مقلقاً، فنحن نخشى الآخر مادمنا نجهله، فإذا عرفناه لم يعد كذلك.
ودعا للتحرر من عقدة الخوف من الآخر و تقبل وجوده، بل قبول التعايش معه لان التعارف بين الحضارات في الوقت الحاضر أيسر منه في أي وقت مضى بسبب التقدم الكبير في وسائل الاتصال ونقل المعلومات والمعارف ولهذا لا بد أن تكون العلاقة بين الناس غايتها التعارف لا التنافر، فالتفاهم المشترك والخدمات المتبادلة غاية التنوع بين الأمم والشعوب.
و أشار إلى أن القرآن الكريم يؤكد علاقة التفضيل بين الناس على أساس مدى نضوج النفس الإنسانية وسموها وحساسيتها في العلاقة بينها وبين الله، وبينها وبين الناس، حتى تتقي كل ما يؤذي الغير، وتسعى إلى خير الناس ابتغاء مرضاة الله، وهو التقوى، يقول تعالى : ؟ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» ؟وبما أن الإسلام رسالته عالمية وخاتمة فلا بد من التأكيد على هذا المعنى كي يصبح العالم وحدة يسهل الاتصال به، والتعارف بين شعوبه وقبائله فالدعوة إلى وحدة إنسانية عالمية هي من أهم أهداف الإسلام، لأن تشريع السلم والعدالة وحقوق الإنسان والتكافل الاجتماعي لا بد أن يسود الإنسانية كلها.
ولفت الهاشمي إلى أن كل الحضارات التي ارتقت بمستوى الإنسان، إنما نشأت عن أصول حكيمة مقدرة، وما كان انهيارها إلا انحرافا عن هذه الأصول، لأن حكمة الله تعالى اقتضت أن يترك للإنسان شقاً يختار فيه ليتحقق به صعوده وهبوطه ؟«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» ؟.
لهذا كان على الإنسان أن يلائم الجانب الإرادي من حياته مع سنة الكون كله، وأن يلائم بين حياته التي يملك أن يوجهها وفطرته التي هيئت أصلاً على إسلام الوجه لله عز وجل، وإذا لم يسلم نفسه لسنة الله كان مصيره الضلال والشقاء، لأنه صار بذلك شيئاً ممسوخاً فينتكس ويتخبط وينفر منه كل ما في الكون روحاً ومادةً، وليس له من مكان بعد موته إلا ما جاء به التنزيل الحكيم.
فالحضارة في التفسير القرآني ليست هي التقدم المادي لأن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، وقد تتبجح الحضارة المعاصرة بالرفاهية والترف، وقد يوجد معهما بعض نماذج محدودة من الأخلاق، لأن فطرة الإنسان مجبولة على الخير، إلا أنه لا يمكن استمرار مصادمة الفطرة، بل إن من المؤكد أن صدام الفطرة يؤدي إلى زوال واضمحلال، ولأن الأصول التي بنيت عليها الحضارة على نحو ما نراه اليوم ينخر فيها الانحلال فلا بد أن تنهار، وهي نتيجة لا تظهر في أول الطريق، ولكنها تظهر حتماً في نهايته.
قال الله تبارك وتعالى : «أفلم يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ؟ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ؟ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ» ؟ «فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ».
وقال إن القيم الإنسانية مرتبطة تماماً بالسنة الطبيعية، لأنها كلها سنة الله في الأرض، فالذنوب تهلك أصحابها تماماً كما يهلك الوباء أهله، ومحذرا من الانحلال الخلقي والترف واللهو، وقال إن شهادة التاريخ تبين أن حضارة روما القديمة قد ماتت بلهوها رغم ما يبدو عليها من مظاهر القوة والترف مؤكدا على أن اتباع سنة الله في عمارة الدنيا هو مدلول الحضارة النامية الباقية.
أبوظبي - إبراهيم السطري
