من الدروس العظمى التي تفيض بها أحداث الهجرة: درس الصداقة والأخوة بين المسلم والمسلم، وهذا ما كان كائنا بعد الهجرة وقبل الهجرة، ولكنها أصبحت بادية واضحة بعد الهجرة، بعقد الإيمان الذي أجراه النبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ بين المهاجرين والأنصار، إذ كانت أخوة حقيقية وعلاقة أقوى من النسب، حتى إنهم كانوا يتوارثون فيما بينهم، حتى نزل قول الحق تبارك وتعالى: «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» فاقتصر التوريث على قرابة النسب!
لقد كان الإيمان هو الرحم الذي أنتج هذه العلاقة الحميمة بين المؤمنين، ومن ثم كنت تجد لهذه العلاقة قوة أعظم من أخوة النسب، حتى أن المسلم كان في الحرب إذا لقي أخاه أو قريبه بالنسب قاتله دون هوادة ما دام لم يزل على الشرك، وقد ثبت هذا على أرض الواقع ـ ومعناه أن أسس القرابة قد تغيرت، فلم يقم المسلم وزنا لقرابة المشرك، بل يعتبره عدوا له.
لأن الإيمان بدل نسق الشخصية تماما، وصبغها بميسم الولاء لله ورسوله فقط، ويدرك هذا المعنى من ذكر قصة سلمان مع سعد بن أبي وقاص، حين كان بينهما شيء من المغاضبة، فجمعهما مجلس فيه عمر بن الخطاب، فقال سعد لمن بجواره: انتسب يا فلان.. فانتسب، فقال لمن بعده: انتسب يا فلان.. فانتسب، حتى أتى على سلمان، فقال: انتسب.. فقال سلمان: لا أعلم لي في الإسلام أبا، ولكن الإسلام هو أبي..
فبكى عمر وقال: والله لقد علمت قريش أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية، ولكن عمر هو ابن الإسلام، أخو سلمان ابن الإسلام.. وهكذا نعلم أن علاقة الإيمان جاءت بديلا عن علاقة الدم والنسب، مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: «إنما المؤمنون أخوة» وقوله عز وجل: »فأصبحتم بنعمته إخوانا» وقول رسولنا الكريم ؟ صلى الله عليه وسلم ؟: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»!
ومن أجل ذلك يتوجب على الوالدين أن يحرصا على انتقاء الأصدقاء لأولادهما، فلا يدعانهم لصداقة مع غير ذي دين أو خلق إسلامي، فإن مثل ذلك، سيجره إلى الفسق والفساد ولابد، فإن النبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ يقول: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تبتاع منه أو تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة».
ومن أجل ذلك نصح النبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ المسلم بقوله: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يدخل بيتك إلا تقي». ويذكر بثمرة الصحبة للمؤمن بقوله: «المؤمن كله منفعة، إن شاورته نفعك، وإن شاركته نفعك، وإن ماشيته نفعك، فأمره كله منفعة».. غير أن أساس الصحبة لابد قبل أي شيء أن يصفو عن الأغراض والأهداف والرغائب جميعها سوى رغبة واحدة وهدف فريد وأساس قويم هي أنها في الله ولله، وتلك التي تجلب كل خير في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول النبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟: «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانهم من الله» قالوا: يا رسول الله صفهم لنا..
فقال: «هم قوم تحابوا بروح الله، على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»، ثم تلا «ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون».
علي عيد
