من الدروس المؤثرة والأثيرة لدى كل مرب، والتي يجب أن نربي عليها أبناءنا وأنفسنا، هي أريحية الإيمان، والإيثار البالغ لنفع الغير عن نفع النفس، وبكل حب وتسامح وتودد.
وقد تبدت هذه النزعة في روح الإيمان الأنصارية، التي واجه بها الأنصار بالمدينة إخوانهم المهاجرين إليهم، فعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم. فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أو غير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم العمل وتقاسمونهم الثمر.
قالوا: نعم..!! وكنتيجة لانبهار المهاجرين بفعل الأنصار قالوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مؤاساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ ـ أي العائد بلا جهد أو مشقة ـ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم..!!
لقد كان عقد المؤاخاة الذي أجرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التآخي بين المهاجر والأنصاري يتم بالقرعة، دون تمييز، فمثلاً: آخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين سعد بن الربيع الأنصاري وعبدالرحمن بن عوف، والذي كان بمكة من أثريائها المعدودين، غير أنه خلع نفسه من كل شيء يملكه وخرج بنفسه متجرداً لله، فإذا بسعد بن الربيع يقول له: إني لمن أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر أي شطر مالي أحب إليك فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها فتتزوجها..
فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق.. فدلوه فذهب فاشترى وباع وربح، وجاء بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله له ان يلبث، فجاء وعليه ردع من زعفران، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: مَهيَم؟! فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار.. قال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب.. قال: أولم ولو بشاة.. يقول عبدالرحمن بن عوف: لقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة..!!
وغني عن البيان أن ليس كل أنصاري كان مستواه الاقتصادي بدرجة سعد بن الربيع، ولكن الواقع أن بعض الأنصار كانوا فقراء، فمن ثم كان المهاجر الذي وقع عقد مؤاخاته مع الأنصاري الذي قدر عليه رزقه لا ريب يشعر بضيق ذات اليد، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: أتى رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد..
فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟! فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله.. فذهب إلى امرأته فسألها: أليس عندك طعام تكرمين به ضيف رسول الله؟! قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية..
فقال: إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي واجعلي كأنك تصلحين المصباح فأطفئيه، ونجعل كأننا نأكل، ونطوي ليلتنا لضيف رسول الله، ففعلت، ثم غدا الرجل والضيف على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: لقد عجب الله بصنيعكما وأنزل الله عز وجل «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة»..!!
كانت هذه هي الروح السائدة بين القوم، ولا يتخيل أحد أنها كانت في الطعام والشراب فقط، إنما كانت قائمة في كل شأن من شؤونهم، فلا يتصور أحد منهم أن يرى مكروهاً يقترب من أحد إخوته ولا يعمل على دفعه والحيلولة دون وصوله إليه، ومن ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غرس هذا الشعور في سويداء قلوبهم، فقد روى عبدالله بن عمر أن رأس شاة تداولتها سبعة بيوت، كلهم يرى غيره أولى بها من نفسه.
وآخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين سلمان الفارسي وأبي الدراء، فذهب سلمان إلى بيت أبي الدرداء فوجد امرأة أبي الدرداء متبذلة، فقال: مالك متبذلة؟! قالت: إن أخاك أبا الدرداء لا حاجة له في الدنيا، فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء أبو الدرداء فصنع طعاماً فقدمه، فقال سلمان: كل.. قال: إني صائم، فقال سلمان: لا آكل حتى تأكل.. فأكل، فلما كان الليل قام أبو الدرداء ليقوم ـ أي يصلي تطوعاً ـ فقال سلمان: نم الآن.. فنام، ثم قام ليقوم، فقال: نم الآن، فنام، فلما اقترب الفجر قاما فصليا، فقال سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه.. فغدا أبو الدرداء على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكر له ما حدث، فقال: «صدق سلمان، إن لربك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه».
علي عيد