تقدم أي أمة يقاس بعلمائها.. هذه حقيقة أدركها المسلمون الأوائل، وعملوا بها، فصاغوا حضارة من أعظم الحضارات الإنسانية ومن هذا المنطلق جاءت عناية الإسلام بالعلم والعلماء؛ حيث نظر إليهم باعتبارهم ورثة الأنبياء، وأوكل إليهم مهام رفعة المجتمع وتقدمه، وفي الوقت نفسه كفل لهم الإسلام حقوقاً على مجتمعهم.. حول واجبات العلماء وحقوقهم كانت هذه السطور.

يقول د.عبدالمعطى بيومى ـ عميد كلية أصول الدين سابقاً: لقد حث الإسلام على العلم، ورفع العلماء إلى أعلى مكانة، بل جعلهم ورثة الأنبياء، ويكفي أن القرآن الكريم تحدث عن التفكير باعتباره فريضة حيث قال{كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}، كما تحدث أيضاً عن العقل في تسع وأربعين آية، وعن الحكمة في تسع عشرة آية، وهذا خير دليل على اهتمام الإسلام بالعلم.

ويشير إلى أنه إذا كانت هناك حقوق للعلماء يجب أن ينالوها في مجتمعهم فإن هناك أيضاً واجبات عليهم تجاهه باعتبارهم ذخيرته في الأوقات العصيبة والملمات، كما أنهم قدوة لغيرهم من أبناء مجتمعهم لذا فإن هناك صفات يجب أن يتصفوا بها.

يأتي على رأس هذه الصفات كما يضيف بيومى «الحق» فالعالم لا يجب أن يقول إلا الحقيقة كاملة، ودون أي نقص أو زيادة، وأيضاً دون أي أهداف والله تعالى يقول{ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}.

ويوضح بيومي أنه لكي يقول العالم المسلم الحق فإنه لابد أن يكون مسلحاً بقوة الحجة والمنطق في العرض، والإقناع في الأسلوب، فكم من حق ضاع بفقد المنطق أو ضعف الحجة أو ركاكة الأسلوب.

يتفق المفكر الإسلامي د. عبدالفتاح عساكر على وجود صفات حسنة لابد أن يتميز بها العالم المسلم باعتباره ركيزة التقدم في أي مجتمع في مختلف المجالات، ومن أهم هذه الصفات الموضوعية، فالعالم يجب أن يكون موضوعياً ملتزماً بحقائق الموضوع لا ينحرف عن الروح العلمية لجوانب القضية، كما يجب أن يكون العالم أيضاً مترفعاً عن الجدال بالباطل، وإنكار الحق وغمط الناس، ويجب أيضاً أن يكون أميناً في عرض ما توصل إليه من خلال الحقائق والشواهد الثابتة.

يوضح عساكر أنه إذا كانت هناك أخلاقيات وواجبات على العالم المسلم تجاه مجتمعه فإن له حقوقاً يجب أن يحصل عليها في مجتمعه، مشيراً إلى أنه ليس من المعقول أن يرفع الإعلام من مكانة الممثلين والممثلات ولاعبي الكرة، في الوقت الذي يعيش علماء الأمة في ظلمات النسيان. في هذا الصدد يطالب عساكر بتكريم العلماء، وإبراز جهودهم في تقدم الأمة بمختلف المجالات وتكريمهم التكريم اللائق حتى لا يتسرب إليهم شعور أنهم يعملون دون جدوى أو مردود.

أما المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين فيؤكد أهمية قيام مؤسسات الدولة المختلفة بتوفير احتياجات العالم حتى يستطيع تقديم أفضل ما لديه وتوظيف علمه التوظيف الأمثل لخدمة أمته ومجتمعه، مشيراً إلى أن أهم هذه الاحتياجات تتمثل في المراجع العلمية والأبحاث والدراسات في مختلف المجالات التي قد يلجأ إليها العلماء من مختلف التخصصات عند إقدامهم على بحث أو دراسة ما قد تعود فيما بعد بنتائج إيجابية.

يضيف شاهين أن قيام مؤسسات الدولة بتوفير الاحتياجات المختلفة للعالم سيدفعه بالتأكيد إلى مزيد من النبوغ، خاصة أنه سيشعر أنه محط اهتمام وتقدير من أجهزة الدولة، ويشعر أيضاً بقيمة ما يقوم به، وبأهمية النتائج التي توصل وسيتوصل إليها.

ويرى ضرورة أن يقرن العالم المسلم رسالته العلمية بأهداف أخرى من شأنها حماية المجتمع من الأفكار الغريبة التي تهدد الأمة، والتي يروج لها البعض من خلال وسائل الإعلام المختلفة مثل تشجيع العلاقة بين الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج بدعوى الحب والزمالة وكذلك التصدي للسفور ونشر الرذيلة الفكرية من خلال دعاة الإلحادية والعلمانية.

وحتى يقوم العالم المسلم بدوره هذا يرى شاهين ضرورة أن يواجه من يعارضه بالمجادلة الحسنة، ومن خلال المنطق والعلم والبرهان الساطع.ويوضح د. أبوسريع عبدالهادي ـ أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن العلماء المسلمين الأوائل مازالوا يشكلون مرجعيات أساسية لكثير من باحثي العالم في شتى العلوم، وفي مختلف المجالات، وهذا ما أكده كثير من المستشرقين والمؤرخين الغربيين الذين شددوا على فضل الحضارة الإسلامية وعلمائها على أوروبا التي كانت تعيش في ثبات عميق، بينما كانت تعيش الحضارة الإسلامية أزهى عصورها.

ويشير إلى «جورج سارتون» ذلك المستشرق الذي أشار بفضل اللغة العربية في نقل العلوم والمعارف إلى شتى أجناس الأرض، خاصة في العصور الوسطى التي شهدت نبوغ كثير من علماء المسلمين مثل الفارابي وابن العوام وابن الهيثم وجابر بن حيان والكندي والبريوني وابن النفيس وغيرهم.

أبوسريع يرى أن هناك خللاً تعيشه المجتمعات الإسلامية فيما يتعلق بنظرتها للعلم والعلماء الذين لا يحصلون إلا على رواتبهم التي قد لا تكفيهم، ولا تكفي احتياجات أسرهم، في الوقت الذي يحصل فيه لاعب الكرة والممثلون والممثلات على ملايين الجنيهات، مؤكداً أن هذا الأمر ينبئ بنتائج وخيمة على المجتمع يأتي في مقدمتها إعراض النشء عن العلم، وتوجيه اهتماماتهم إلى أمور لا تفيد المجتمع إن لم تكن تضره. من خلال تزكية أخلاق المجتمع، والدفاع عن المسلمين وتبني قضاياهم.

يضيف د.أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: من ينظر إلى التاريخ الإسلامي يلاحظ مدى الاهتمام الذي كان يلاقيه علماء الأمة في عصر الحضارة الإسلامية، الأمر الذي شكل لهم دافعاً للإبداع العلمي في المجالات كافة، فاكتشفوا في الكيمياء خواص الأحماض، وابتكروا مركبات جديدة كحامض الكبريت، وفي الطبيعة توصلوا إلى نظريات جديدة لانكسار الضوء، وفي الطب أنشأوا علم الجراحة، وابتدعوا أدواته وعملياته.

ويرى أن المجتمعات الإسلامية مطالبة بإعادة النظر إلى العلماء الذين يعانون من التهميش على المستويات كافة سواء المادية أم المعنوية، مؤكداً أن هذا التهميش من شأنه إجهاض أي نهضة علمية في أي مجتمع.

الأمة الإسلامية، كما يقول أستاذ الفقه، تحتاج في هذا العصر لعلماء من نوعية خاصة يأخذون بيدها ويرتفعون بشأنها من خلال توظيف ما يتوصلون إليه في خدمة دينهم وأمنهم، مؤكداً أن العالم الحقيقي يجب أن يركز على الجوهر ولا ينخرط وراء هوامش «لاتسمن ولا تغني من جوع».

ويطالب كريمة علماء الأمة الإسلامية بأن يكونوا قدوة لتلاميذهم من خلال معايشة الإسلام قولاً وعملاً حتى يحببوا شباب الأمة في العلم والعلماء وعليهم أيضاً أن يتواجدوا في ساحة الأحداث الخاصة بالمسلمين. كما يطالب الإعلام بتناول ما يتوصل إليه العلماء المسلمون من نتائج وأبحاث مهمة فكم من علماء مسلمين قدموا الكثير للحضارة الإنسانية المعاصرة ولم نسمع عنهم إلا من وسائل الإعلام الأجنبية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية