كثير من الأمور والقرارات الحياتية والمصيرية التي يريد أن يأخذها المسلم لا يتبين مدى صحتها أو عواقبها المستقبلية، وتتنازعه أفكار واختيارات عديدة، ولذا فإن هناك وسائل تنهي حيرة الإنسان وتجعله يقف على الطريق الصحيح للوصول إلى ما يبتغيه.
وقد بين الإسلام ذلك للمسلم من خلال طريقين معروفين أو يجب أن يعرفهما أي مسلم، الأول: صلاة الاستخارة التي أوصى بها رسولنا الكريم أصحابه والمسلمين، ففي الحديث الشريف: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أ سْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ (ويسمي حاجتك) خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وآجله، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمّ بَارِكْ لِي فِيهِ،اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ (ويسمي حاجتك) شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أرضني بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
والطريق الثاني: استشارة أهل الخبرة والرأي والمعروف عنهم السداد والأمانة وينطبق عليهم قول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن)، وفي هذا الشأن يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم في سورة آل عمران الآية 159: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
وقد أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في الحديث السابق، ولكنهم اختلفوا في هل تقدم المشورة أو الاستخارة؟ والصحيح أن الاستخارة تقدم أولاً.
وقال بعض أهل العلم أنه يكرر الصلاة ثلاث مرات أو أكثر حتى يتبين له خير الأمرين، ويقول ابن تيمية: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره.
السيد الطنطاوي