قال الشيخ: ذكرنا أن البلاء لا يذل المؤمن مهما كان جائراً لأنه عزيز بإيمانه، وأن من حالات البلاء ما هو ابتلاء واختبار تظهر عظمة الجوهر ونفاسة المعدن فتكون شهادة لصاحبه وعبرة وقدوة حسنة لغيره، وان من البلاء ما فيه تذكير واعتبار ليرجع صاحبه إلى ربه فيفوز فوز الدارين.
والبلاء أصلاً من نسيج الحياة ولحمتها وسداها، فلا حياة هانئة سعيدة لا يشوبها شائبة مطلقاً، ولكنه عند المؤمن مما يزيده قوة وصلابة وقدرة على مواجهة الصعاب، ومما يجعل له المزيد من الأجر والتقرب من الله سبحانه وتعالى، فالصبر من عزائم الأمور التي تخفف من سماكة الحجب بين العبد وربه، والحزن مما يرقق القلوب ويطهر الصدور ويجعلها مستعدة لقبول الأنوار.
فان سأل مبتلى ببلاء أو أكثر: ولماذا أنا؟! وما المقصود في ان تتوالى عليّ المحن وأشكال البلوى؟! قلنا ان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قد أخبر بان أكثر الناس ابتلاء هم الأنبياء، فالبلاء ان مس أمثال هؤلاء العظام وتثاقل عليهم لا يمكن ان يكون مجرد غضب أو عقاب أو كيد من الله سبحانه تعالى.
ثم ان من معاني الابتلاء انه يكون أحياناً رسالة من الله لعبده ليقف ويراجع نفسه ويعيد ترتيب أولوياته ويذكر ما يحصيه الله وينساه؟ فكم نحسن الظن بأنفسنا بقليل عمل أو مشوب فعل! وكم نستصغر في حياتنا الكبائر ونصر على سوء الأدب مع الله فيما نقدر انه من الصغائر! فإذا بالبلاء ينزل من أجل المراجعة والمحاسبة وإعادة تعريف السلوكيات والأفعال والقيم والمبادئ والأهداف والغايات حتى يستوي المسار ويتجه الجهة الصحيحة نحو الغاية المثلى.
وفي حياة النبي عليه الصلاة والسلام أمثلة كثيرة عن ابتلاءات صححت النظرة عند أصحابه الكرام وأعادتهم إلى السداد في السلوك إلى الله والدعوة إلى دينه ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم. ففي غزوة أحد خالف بعض الرماة الرسول الأعظم، فتركوا أمكنتهم لما رأو هزيمة العدو وقد ترك الغنائم وولى هارباً...
فإذا بالنصر ينقلب هزيمة وتستشهد زهرة صحابة الرسول الكريم ومنهم عمه حمزة حبيبه والمقرب إليه، فكان في ذلك درس قاس في طاعة القائد للصحابة ومن جاء بعدهم دون ان يصل المشركون إلى غايتهم باستئصال الإسلام وقتل رسوله عليه الصلاة والسلام، وفي ان للنصر أسباباً لابد من الأخذ بها حتى ان كان الرسول عليه الصلاة والسلام فوق إحدى الطائفتين المتحاربتين، وان هذه الأسباب بمنزلة السنن التي لا تحابي أحداً مؤمناً أو جاحداً.
وفي حادثة الإفك تعرضت السيدة عائشة الطاهرة المطهرة لأقسى اتهام يمكن ان يواجه امرأة شريفة ـ وهي زوج الرسول الأعظم الداعية والقائد الأول في المدينة المنورة وهو مستهدف من المنافقين والمشركين واليهود ـ ولم تنزل أية براءة السيدة عائشة إلا بعد حوالي الثلاثين يوماً، إلا ان القرآن الكريم لا يعتبر هذا شراً (ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم).
والخير هنا كان في كشف المنافقين وتقرير تحريم القذف حتى لا تتطاول الألسنة فتمس أعراض المؤمنات الصالحات والمحصنات وقد طبق الحد حتى على من تلفظ بكلام من هذا بحسن نية دون كيد أو مكر، فضلاً عن جلاء عظمة الرسول الأعظم وعظمة السيدة عائشة في صورة من أروع صور الكمال الإنساني وهو يواجه الافتئات.
وفي حنين يقول سبحانه تعالى (ولقد نصركم الله في مواقف كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)، فكانت حنين بلاء علم الصحابة الكرام ومن بعدهم ان النصر ليس بمجرد العدد والعتاد، وان قوة العقيدة والاستعداد والتضحية والاستشهاد وثبات القائد وان تفرق كثير ممن حوله وثبات من ثبت من الباقين مما يقلب الموازين ويجعل الهزيمة نصراً.
ماهر سقا أميني