لا ريب أن حدث الهجرة قد حفل بدروس عظمى لتربية الأجيال عليها جيلا بعد جيل، منها على سبيل المثال، الترك لما تتعلق به النفس من وطن وأهل وعشيرة ومال لا لشيء سوى ابتغاء وجه الله الكريم...!!

وأسوة الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم هو المهاجر الأول، حينما ترك مكة متجها نحو الجنوب نظر إلى الكعبة قائلا: «والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وتركها رغم أن حبها فطري جبلي في سويدائه، غير أن حبه لله لا يعدله حب، وطاعته لربه لا تعلو عليه طاعة..!!

وعبر صحابته بأفعالهم عن هذه النزعة أيضاً خير تعبير عن قناعتهم بنزعة التضحية وخلع أنفسهم من كل متاع دنيوي يبحث عنه الناس وينجذبون إليه تلبية لنداء الله، ولذلك وصفهم الحق تبارك وتعالى بالصدق في قوله عز وجل: «للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون»..!!

وخير عنوان على الصدق في جانب المهاجرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه نجده عند مصعب بن عمير، الذي كان في مكة قبل إسلامه من أنعم فتيان مكة بمال والدته خناس بنت مالك ونفوذها بين قومها، وكان رضي الله عنه يحبها ويخشاها، ولكنه سبق إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث تفتح قلبه على الدعوة والإيمان، ونقل الخبر إلى أمه، فطلبت منه ترك ما دخل فيه والعودة إلى دين آبائه وأجداده، لكنه أبى، فحبسته في أقصى مكان في دارها، واشتد الأذى بالمسلمين.

فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة، فتحين الفرصة وهرب إلى الهجرة، وسربت قريش إلى المهاجرين بالحبشة كذبا أنها دخلت في دين محمد وتم الصلح بينهما، فعاد كثير من المهاجرين، ليجدوا الأمر أسوأ مما كان، وكان من بينهم مصعب الذي تعرض مرة أخرى إلى ضغوط والدته، وأعاد رفضه وإباءه، وعاد إلى الحبشة حرصا على دينه وعقيدته، دون خضوع لنفوذ والدته وسطوة المال والجاه، حتى إذا ما تمت بيعة العقبة الأولى بين النبي صلى الله عليه وسلم واثني عشر فردا من أهل المدينة، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم معلما وإماما، فتخير لهم مصعبا.

وكان نعم الداعية، إذ تفتحت على يديه ودعوته الخالصة قلوب أهل المدينة، ويدل على ذلك أن لقي النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم الثاني سبعون رجلا وامرأتان، غير من ظل بالمدينة ممن دخل بالإسلام، بل الأكثر دلالة على ذلك ما كانت المدينة عليه يوم قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها مهاجرا، إذ كان في استقباله خمسمئة فارس على الخيل في كامل عدتهم، عدا الصبيان والشيوخ والنساء على أسطح المنازل وبشرفاتها والمدينة بكامل زينتها.

وتتجاوب الآفاق مع أهازيج وصيحات السرور والنجدة التي تنبعث خالصة من سويداء القلوب، وكل ذلك كان ببركة إخلاص الداعية الشاب، الذي استبدل نعيما وترفا في جوار أمه، بشظف وزهد وتقشف في جوار دينه، راضيا قانعا، مما جعله نموذجا فريدا بين دعاة الإسلام، مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يخصه بحمل لواء الجيش في غزوة بدر.

على عيد