أكد فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان إمام وخطيب جامع خليفة بن سلطان في ديرة أن الفضائيات حولت الحياة إلى آلة مادية دون مشاعر، وتكرس مجموعة من المفاهيم والسلوكيات التي تحول الناس إلى حضارة الآلات وحضارة الأشياء. وقال إن بعض هذه الفضائيات بها ما يحول الشباب إلى جمر يحترق، مشيرا إلى أن الأدخنة التي تنتج عن حرق النفوس بنيران الشهوات تلوث الأجواء وتنأى بالناس عن التسامي والاتزان.
وقال إن الفضائيات الإسلامية - مع كثير من الخير فيها- نجد منها ما يعبث بالحقائق ويؤول النصوص ويكفر الآخر وينشر الفتن ويمزق الأمة، ونجد أن كثيراً مما يعرض في أفضلها ليس مضبوطاً بضوابط الشريعة والحلال والحرام.
وأضاف أن هناك بعض المواضيع الخلافية المثارة على الملأ ولكن الأصل في هذه المواضيع أنها تعرض وتناقش على مستوى النخبة من العلماء، حتى لا تثير القلاقل والشكوك بين الناس، وصحيح أن الاختلاف في كثير من الشؤون سنة من سنن الحياة ولكنه يعرض في هذه الفضائيات على أنه خلاف من نوع ماحق.
لقد جعلتم جلّ اهتمامكم في دراسة وتدريس التوحيد بل جعلتم هاجسكم وأكثر جهودكم في ضبط كل طرح إسلامي على الساحة الفكرية بضوابط علم التوحيد هل لكم أن تحدثونا قليلاً عن هذا المحور الأساسي في حياتكم؟
التوحيد هو لب كل الرسالات التي أنزلت على الرسل قاطبة، وقد أخذ مساحة كبيرة في الرسالة الخاتمة، ومن يعش التوحيد يقيناً صادقاً يجد أنه يقي النفس من التمزق والحياة من البعثرة والقوة من الضياع، والتوحيد تصور وسلوك، عقيدة وممارسة، حين يعاش تتحقق الحرية الحقيقية والعزة الشامخة، إن الله هو المحيي والمميت، القابض الباسط، الرافع الخافض، المعز المذل..... أفبعد اليقين بهذا لا ننعتق من أسباب الذل والضعف.
كيف ترون ظاهرة أو مصطلح الدعاة الجدد وما تقييمكم لهم؟
أولاً يجب أن نتساءل ما هو الجديد الذي عند هؤلاء الدعاة حتى سُمّوا بهذه التسمية، هل الجدة في المضمون أم في المظهر أم في الساحة التي يتحركون بها، ثم ما هي المصادر التي يستقون منها. ثم هل في تسمية هؤلاء بالدعاة الجدد ما يوحي بأن غيرهم دعاة قدامى أو تقليديون، وما هو تأثيرهم الفعلي الذي حققوه ومدى استقراره ورسوخه واستمراره وما هو الميزان الذي نقيم به هذا التأثير.بغض النظر عن الأسماء وكلهم ما شاء الله نجوم في عالم النجومية.
وهنا أحذرهم مع ضعفي من أن تؤثر بهم هذه النجومية فتشغلهم عن الرسالة التي يجب أن يؤدوها فالشهرة سهم قاتل في القلب إلا من رحم ربي- لا بد أولاً أن ندقق في المصادر أو العلماء أو المؤسسات التعليمية التي تتلمذ عليها كل واحد منهم، ولا بد أن ندقق في ضبطهم لما يقدمونه من مواد والضبط هنا من جانب العقيدة والشريعة ويجب ألا يقبل المساومة مهما كان الثمن.
الحق سبحانه وتعالى وصف رسوله عليه الصلاة والسلام ((وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)) فدلّ ذلك على أمرين: الدعوة إلى الله وتتطلب الرسوخ في العلم وفنون خطاب الدعوة، والإشعاع بالنور من واقع سلوك الداعية الرباني ومظهره الملتزم. والرسوخ في العلم ضرورة للداعية وألا يتحول الداعية إلى «إعلامي جيد» يحسن عرض بعض المعارف أو المعلومات التي قام يجمعها .
ولعلك ترى مثل هذا عند بعض هؤلاء الدعاة ولا أقول كلهم، وفن خطاب الدعوة للأفراد والجماعات على اختلافهم واختلافها ضرورة من أجل تحقيق الجدوى الراسخة والمستمرة طيلة الحياة وهي تختلف عن فنون الجذب والإثارة، والسلوك الرباني الملتزم ضرورة لأنه في حد ذاته دعوة وثبات للمدعو في حين أن الاضطراب في هذا السلوك يخرب الأمر كله.
التاء في لفظ «الداعية» هنا للمبالغة وليس للتأنيث، وهذا يعني مطلق الاهتمام والانشغال والصدق والالتزام من قبل الداعية، من هنا لا يجوز إطلاق هذا اللفظ النفيس على من اختزل الدعوة ببعض ما جاء به الإسلام أو تحرك حركة صغيرة في عرضه أو قدم المرجوح على الأرجح في العقيدة والسلوك، الإسلام ليس مجرد «قصص» أو «حكمٌ وأمثال» أو «دعوات عامة دون تفصيل لفروعها» والداعية لا يمكن أن يكون انتقائياً يأخذ بجانب ويترك جوانب أخرى، كما لا يمكن أن يترخص في مسائل لا يصح الترخص فيها لحماية جاذبيته والطلب عليه.
لا يمكن القول إن الدعاة الجدد أو أكثرهم قدم مضامين جديدة، ففي بقاع الأرض علماء ودعاة غاصوا في بحور العلم وخرجوا منها بأغلى الكنوز، إذن لنقل إن التجديد في الأساليب،وهل من هذه الأساليب أنهم ذهبوا إلى الناس في حياتهم ولهموهم وانتشلوهم مما هم فيه، هذا جيد شرط ألا يكون هذا بالتقرب إلى الناس بما يشتهون وبما يألفون وإغفال ما عدا ذلك، وإلا فأي نجاح نتحدث عنه؟
لعلي أستطيع القول إن ظاهرة «الدعاة الجدد» نجمت عن غفلة الناس وبعدهم عن المساجد والعلماء، وهنا نتيجة خطرة هي النظر إلى كل من عداهم على أنهم دعاة أو «مشايخ» تقليديون لا يصلحون لهذا الزمان، أيضاً هناك انطباع خطر آخر قد يُترك عند الناس هو أن «الدعاة الجدد» ميسرون وغيرهم معسرون، مع أن الشريعة واحدة والأحكام واحدة والقيم واحدة.
طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولكن الأمر عند الداعية يجب أن يأخذ معنى التخصص في العلوم الواجبة عينياً وكفائياً من علوم الشريعة وعلوم وفنون الدعوة، إذ لا يصح مثلاً أن يقدم داعية قصص الأنبياء بشكل جذاب ومعبر ثم لا يعرف حكم صلاة الوتر أو سجود السهو.
أيضاً هناك مشكلة العامية التي درج بعض من هؤلاء الدعاة عليها، أعتقد أنها انحدار لا لزوم له، قد يُقال للتقريب والنزول إلى الناس، أقول هناك برامج وأفلام للأطفال في مراحلهم الأولى عرضت بالعربية الفصحى ونجحت نجاحاً عظيماً فلماذا لا نرفع الناس إلى مستوى لغة القرآن بدلاً من النزول إلى مستوى عاميتهم، أيضاً بالعامية لا يمكن ضبط المصطلحات الشرعية والسلوكية وهذا أوقع بعضهم في أخطاء مرعبة.
ما تقييمكم للأزمة المالية والاقتصادية اليوم؟
لا بد من تأكيد بعض الحقائق: التجارة مبنية على الربح والخسارة، والتاجر يوطن نفسه لكل منهما، لا بد من البحث في أسباب ما حدث ثم وضع برنامج يخرج الخاسر مما هو فيه،ثم إن الهمّ الناجم عن الخسارة في ميزان حسناته وهذا يمده بالطاقة على المواجهة ويقيه من الانهيار.
إن الخسارة هي من باب القدر الذي يمكن رفعه ببحث اسبابه ومعالجتها، الدنيا دار ابتلاء وقد قال الحق سبحانه ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)) والذي تنضح به هذه الآية أننا في دار الاختبار بكل ميادينه في الشدة والرخاء والمنع والعطاء، ثم إننا راحلون...
فلا الخير هنا يبقى ولا الشر، وإنما يرحل الإنسان إلى دار الآخرة بمواقفه من كل منهما، إن الرضا بالأقدار بعد وقوعها من المراضي التي دعت لها الشريعة وهو مظهر لقولنا رضينا بالله رباً أي مصرفاً للأقدار ومنزلاً للأحكام. فإذا ثبتت هذه الحقائق انتقلنا إلى الضرورة الملحة وهي أن ينهض أهل الخبرة من هذه الأمة لتحقيق استقلال اقتصادي يقيه من الهزات التي تقع في ديار الآخرين.
حوار- ماهر سقا أميني