هو إنسان بسيط ومن عائلة فقيرة لم يأخذ نصيبه من العلم، فقد ترك المدرسة بعد الصف الخامس الابتدائي وبدأ يبحث عن عمل ليعيل أسرته الكبيرة فهو أكبر إخوانه ومرتب والده لا يكفي لإطعام العائلة التي تتكون من «11» شخصاً عندما وجد فرصة للسفر ترك بلاده أملاً في فرصة عمل جديدة خاصة بعد أن عرف الحياة وقساوتها وبعد أن تجاوز عمره الـ «20» عاماً، عندما استقر به الحال عند أحد أصدقائه في القرية بدأ يبحث عن أية وظيفة فهو لا يريد أن يكون عالة على صديقه الذي وفر له السكن.
وظيفة بسيطة
وأخيراً حصل الشاب على وظيفة بسيطة في قسم العلاقات العامة في إحدى الشركات، خلال عمله أثبت تفانياً فيه مما دفع المسؤولين في القسم لأن يزيدوا مرتبه وبعد خمس سنوات من العمل الدؤوب أصبح له مكتب خاص به مما زاده حماساً وتفانياً في العمل. خلال عمله في قسم العلاقات العامة التقى بالكثير من الناس فقد كانت طبيعة عمله التعامل والاحتكاك مع الناس، في أحد الأيام التقى بها كانت فتاة جميلة وفاتنة وأقرب ما تكون إلى نجمات السينما العالمية، كانت الفتاة تعمل في قسم العطور وأدوات التجميل في أحد المتاجر الكبيرة.
أعجب الشاب بها كثيراً لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منها فكيف له أن يقترب أو يكلم هذه الفتاة، وماذا سيقول لها، وكيف سيقدم نفسه، فكر الشاب كثيراً وأخيراً قرر أن يتركها فهو متأكد بأن لها الكثير من المعجبين فأين هو منهم ورغم انه قرر أن ينسى تلك الفتاة إلاّ أن صورتها كانت مختزنة في ذهنه ليل نهار حتى انه كان يذهب إلى حيث تعمل لا لشيء ولكن ليراها من بعيد.
في أحد الأيام قررت الشركة التي يعمل فيها الشاب إقامة حفلة في فندق ضخم وذلك لتعريف زبائنها على أنها أصبحت هي الشركة الوحيدة التي تمتلك التوكيل لإحدى السيارات المعروفة وكان على قسم العلاقات العامة في الشركة أن يوزع بطاقات الدعوة على الشخصيات المهمة في عالم الأعمال والتجارة. استغل الشاب هذه الفرصة وأخذ بطاقة دعوة من اللواتي تخص الـ «VIPS» وقدمها للفتاة طالباً منها ضرورة الحضور، وبالطبع لم ينس الشاب أن يعرفها بنفسه بانه مسؤول قسم العلاقات العامة في تلك الشركة.
خلال وجود الفتاة في الحفلة اهتم بها الشاب اهتماماً خاصاً وأجلسها في مكان كبار الضيوف ولم تنتهي الحفلة حتى كان الشاب قد أخذ رقم هاتفها النقال وكذلك هي. بدأت الفتاة تلتقي بالشاب الذي أخبرها بانه يحبها من كل قلبه وانه يرغب بالزواج بها، كما بدأ يغدق عليها بالهدايا غالية الثمن، بعد نحو ستة أشهر من تلك العلاقة طالب الشاب فتاته بان توافق أن يقابل أهلها حتى يطلبها رسمياً، لكن الفتاة قالت له بان ذلك غير ممكن لأنها لا تريد أن تتزوج إلاّ من إنسان يحقق لها أحلامها مثل شقة جميلة وأثاث أنيق.
وسيارة من صنع ألماني ورصيد معقول في البنك، قال لها الشاب بأنه مستعد لتلبية طلباتها كلها، عند ذلك قالت له سأوافيك بعد أن أرى كل شيء على أرض الواقع. قام الشاب باستئجار شقة في حي راقٍ وأثثها كما طلبت الفتاة، ثم وضع مبلغاً باسمها في البنك كما كان الاتفاق أن يقدم لها السيارة التي تريدها هدية خطوبتها. كان الشاب ينفق بدون حساب رغم أن راتبه لم يكن كبيراً لكنه اضطر أن يأخذ قروضاً من البنوك ومن الشركة التي يعمل فيها حتى الأموال التي كان يدخلها ذهبت هي الأخرى.
وأخيراً حقق الشاب حلمه حيث تزوج من الفتاة التي أحبها وبعد انقضاء شهر العسل بدأت المشاكل تظهر على السطح فقد بدأت البنوك تطالبه بتسديد المستحقات الشهرية وكذلك الشركة التي اشترى منها السيارة الألمانية الصنع، أما الشركة التي كان يعمل فيها فقد بدأت تخصم من مرتبه المبالغ الشهرية التي عليه، لذا كان المرتب الذي يتقاضاه لا يكاد يكفي لاحتياجاته واحتياجات سيارته.
الشركة تنذر الشاب
في أحد الأيام تلقى الشاب إنذاراً من الشركة التي يعمل فيها بأنها ستنهي خدماته إذا لم يسوي أوضاعه المالية مع البنوك حيث إن الشيكات المرتجعة باسمه تسيء إلى الشركة وسمعتها. إضافة إلى ذلك فإنه بدأ يستغل اسم الشركة ليحصل على بعض التسهيلات وهدايا من شركات أخرى. نزل الإنذار كالصاعقة على رأسه، لكنه لم يشأ أن يخبر زوجته حتى لا تهتز صورته أمامها ويفقد حبها. حاول الشاب أن يستدين من بعض الأصدقاء لكن هذا لم يكن حلاً فهو كالذي يشرب الماء المالح لا يزيده إلا عطشاً وأخيراً وقع ما كان يخشاه فقد تلقى رسالة من الشركة تقول فيها بإنه تم الاستغناء عن خدماته وان الشركة ستقوم بأخذ مستحقاته كسداد للقرض الذي أخذه.
بدا الرجل مهموماً، وأصبح غير قادر على دفع أية مستحقات، لذا اضطر لأن يقول لزوجته كل شيء، عندما عرفت زوجته ذلك أقامت الدنيا ولم تقعدها، وقررت الذهاب إلى بيت أهلها، لكن الشاب طلب منها أن تنتظر قائلاً لها بأنه سيبحث عن عمل آخر. استمر الشاب يبحث طويلاً لكنه لم يجد وظيفة جيدة حتى عندما كان يجد وظيفة كان مرتبها لا يكاد يفي بإيجار الشقة، أصبح الشاب عالة على مرتب زوجته، وأخيراً قالت له الزوجة لقد وجدت لك عملاً، فرح الرجل بذلك، وقال لها: أي عمل هذا، فقالت عمل بسيط لن يكلفك الكثير.
قالت له زوجته بحكم طبيعة عملي فأنا أعرف رجالاً من أصحاب الملايين، فهم يأتون إلى قسم العطور ومستحضرات التجميل ويشترون هدايا لصديقاتهم بآلاف الدولارات، وكثيراً ما أسمع منهم كلمات الإطراء والغزل، لذا سأتجاوب مع بعضهم وعندما يدعوني للعشاء أو لسهرة سأسأله إن كان لديه شقة خاصة أم لا، فإذا كان لديه سأطلب منه مفتاحها لأنتظره فيها، وعندما أكون معه في وضع حميمي تأتي أنت ووجهك مغطى وتسرق أي شيء غالٍ يمكن سرقته، ثم تهدده بمسدس أطفال وتطلب منه أي مبالغ مالية معه وشيكاً لحامله.
وأضافت هؤلاء الرجال لا يهمهم المال بل سمعتهم، لذا فإنهم لن يلجأوا إلى الشرطة، وعندما تأخذ أنت ما تريد أتظاهر أنا بالخوف وأهرب بعد خروجك، وقالت: عليك أن تتصرف عندما تراني مع الرجل على أنك سارق وليس كزوج حتى لا ينفضح أمرنا. حاول الشاب أن يبعد هذه الفكرة عن رأسه لكنها قالت له بأن هذه أفضل طريقة للحصول على المال، بعد نحو أسبوع كان الشاب قد نفذ أول عملية له، وكانت ناجحة للغاية، مما شجعه على الاستمرار بها.
في إحدى الليالي وقع ما لم يكن في الحسبان فبينما كانت المرأة مع رجل الأعمال دخل زوجها من باب الشقة الذي عادة ما تتركه الزوجة مفتوحاً، وعندما دخل الشاب لم يستسلم له رجل الأعمال بل حاول مقاومته، وأمسك بسكين كانت في صحن الفاكهة وهاجم بها الشاب، إلاّ أن الشاب بمساعدة زوجته تمكنا من مقاومة رجل الأعمال، حيث ضرب الشاب رجل الأعمال ضربة قاتلة، حيث اخترقت السكين قلبه ومات من فوره. هرب الرجل وزوجته من مكان الجريمة، وبعد ساعات بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عن القاتل. أشارت التحريات إلى أن رجل الأعمال كان معه في تلك الليلة سيدة.
تم رفع البصمات عن أداة الجريمة فوجدت عليها ثلاث بصمات كانت إحداها لرجل الأعمال أما البصمتان الأخريان فلم تُعرفا، وهنا ظهر لغز جديد، وهو إذا كانت البصمة الثانية للسيدة فلمن البصمة الثالثة؟ لذا كانت الشكوك تقول بأن هناك شريكاً للسيدة وأن الاثنين قد يكونان هما اللذان قتلا رجل الأعمال. وصلت التخمينات والاستنتاجات إلى حقيقة مفادها أن القتيل كان على علاقة بالمرأة وأن زوج المرأة كان يراقبها أو يشك بها وعندما عرف بتلك العلاقة حاول قتلها وقتله، لكن السؤال هو كيف دخل الزوج إلى الشقة؟ فقال البعض إن رجل الأعمال أو المرأة ترك الباب مفتوحاً من دون قصد، وهذا يحدث كثيراً.
بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عن المرأة لأنها هي مفتاح الحل، تم إدخال بصمات الرجل وبصمات المرأة إلى الكمبيوتر، حيث أشار الكمبيوتر إلى الرجل فقد وجدت هناك بصمات متشابهة. ذهب أحد عناصر الأمن إلى عنوان الرجل صاحب البصمات في الشركة، حيث قيل له ان الرجل قد ترك الشركة، لكن تم تزويد عنصر الأمن بعنوان شقته، ذهب العنصر إلى الشقة، حيث فتحت له امرأة، عَرّف عنصر الأمن بنفسه وطلب مقابلة الشاب، فقالت له بأنه غير موجود، وطلبت منه أن يدخل إلى الشقة ليكتب عنوانه ورقم هاتفه حتى يتصل به الشاب عندما يعود.
عرفت المرأة بحسها الأنثوي أنها أوقعت بالعنصر نفسه وأنه بدأ ينظر إلى مفاتنها، هنا طلبت من العنصر أن يتناول القهوة، فقال لها بأن هذا ممنوع لأنه في مهمة رسمية، فقالت له إن الذي تبحث عنه زوجي وقد يأتي في أي وقت فأنت بانتظارك إياه لا تزال في مهمتك الرسمية. كان العنصر يريد أن يسمع منها هذا الكلام فجلس لتناول القهوة، وبعد نحو نصف ساعة خرج من الشقة مع أمل أن يعود إليها في موعد غير موعد المهمات الرسمية.
كانت المرأة تعرف بأن هذا العنصر قد يوصلها إلى المحكمة بتهمة قتل رجل الأعمال لذا بدأت تغدق عليه من حبها الكثير حتى أصبح متعلقاً بها بشكل لا يصدق. كانت الأجهزة الأمنية تطلب من العنصر تقديم تقرير عن الرجل صاحب البصمات وإن كان قد توصل إلى عنوانه أو للمرأة التي كانت معه، لكنه كان يقول بأنه لم يعثر عليه لأنه ترك الشركة ولا يعرف أحداً عنوانه.
وأخيراً أراد أن يقطع الشك باليقين، حيث استغل وجوده مع المرأة وأخذ علبة سجائرها وكانت المفاجأة التي أذهلته حيث وجد بصماتها مطابقة للبصمات التي وجدت على أداة الجريمة ليلة مقتل رجل الأعمال. وقع العنصر بين المطرقة والسندان فهو من جهة يحب هذه المرأة التي أشعرته لأول مرة برجولته ووجوده وفي الوقت نفسه يجب أن يؤدي واجبه ويخبر المسؤولين عنها، وأخيراً أمسك بالتقرير الذي أخرجه الكمبيوتر والذي قارن فيه بين بصمات السيدة على الأداة الحادة وعلبة السجائر وإحراقه، مقرراً عدم تسليمها إلى الجهات الأمنية وذلك كي لا ينحرم منها ولا يخسرها.
الهروب
أحست المرأة بأن الدائرة بدأت تضيق عليها وأن العنصر قد يكشفها إلى مسؤوليه بعد أن أخبرها بأن قارن بين بصماتها على علبة السجائر وعلى الأداة الحادة التي وجدت في شقة القتيل ووجدتها متطابقة لذا قررت الهروب إلى بلادها دون إخبار أحد حتى زوجها المختفي والذي كان يتصل بها عن طريق الهواتف العمومية التي في الشوارع لم تخبره عن خطة هربها، لأنه قد يغدر بها. في هذه الأثناء طلبت من العنصر أن يأتي بعد غد إلى شقتها لأنها ستقيم له حفلة صغيرة بمناسبة عيد ميلادها.
بدأ العنصر يستعد للحفلة التي سيشعر فيها بالسعادة حتى الصباح لكنه عندما جاء لم يجد أحداً يفتح له باب الشقة حاول الاتصال بالمرأة لكنها كانت قد غادرت إلى غير رجعة. شعر العنصر بأنه طعن في كبريائه وأن المرأة التي أحبها وضحى بواجبه من أجلها كانت تخدعه، اتصل بالمطار وأعطى اسمها إلى الجهات الأمنية هناك فعرف بأنها غادرت في نفس اليوم الذي اتصلت به وحددت له موعد حفلة عيد ميلادها، فكر العنصر ماذا سيصنع وماذا لو انكشف أمره وعرفت إدارته بأنه خان الثقة التي منحته إياها، وأخيراً قرر أن يقدم تقريراً مفصلاً عن كل شيء لعل ذلك يخفف عنه العقاب.
بعد اتخاذ الإجراءات القانونية قام الضابط الذي يتابع القضية بفتح شقة المرأة ومقارنة بصماتها بالبصامات التي كانت على الأداة الحادة وتأكد من أن العنصر كان يخفي الحقيقة حفاظاً على علاقته الخاصة مع المرأة. في هذا الوقت كانت الأجهزة الأمنية تلاحق الشاب من خلال صورته التي تم نشرها على الدوريات وعناصر الأمن والعناصر السرية والمخبرين وأخيراً جاءت معلومة مفادها أن الشاب يعيش في مدينة مجاورة للمدينة التي تم فيها ارتكاب الجريمة.
تم وضع خطة محكمة للإمساك به وفعلاً تم ذلك واقتيد إلى غرفة التحقيق حيث اعترف بأنه وزوجته قتلا رجل الأعمال. طلب منه الضابط أن يتصل بزوجته لمعرفة أين هي حتى يتم استعادتها عن طريق الإنتربول لمحاكمتها، كما طلب منه الضابط أن يطيل الحديث معها لتحديد مكانها عن طريق الأقمار الصناعية ولمعرفة في أي دولة هي وإن كانت قد عادت إلى بلادها أو سافرت إلى مكان آخر.
عندما اتصل الشاب بزوجته قالت له انها غادرت لأنها قد انكشفت وعندما سألها زوجها في أي البلاد هي قالت له «أنت غبي فقد يكون هاتفك مراقباً، ثم أقفلت الخط ولم يسمع صوتها بعد ذلك أبداً. حاول الضابط مرات ومرات أن يتصل بالرقم لتحديد المكان الذي هي فيه لكن الخط كان قد تم فصله من الخدمة ولم يعد يعمل.
بعد أربعة أيام تم إحالة الشاب إلى المحكمة المدنية بتهمة القتل والاحتيال على الضحايا، كما تم تحويل العنصر إلى المحكمة العسكرية بتهمة خيانة الأمانة وإخفاء معلومات عن الجهات الأمنية التي يعمل فيها. أما المرأة فقد أفلتت من العقاب ولعلها الآن مع ضحية جديدة مستغلة أنوثتها للوصول إلى مآربها.
إعداد ـ أحمد سلطان
