كثير من المخلصين هالتهم الزيادة غير المبررة والزائدة عن الحد من الفتاوى التي تصدر فضائياً وعبر شاشات القنوات الفضائية، والتي سببت ارتباكاً لمن يريد الحصول على رأي شرعي صحيح في مسألة تحتاج إلى هذا الرأي ليسير على هداها.
وكثرة الفتاوى والمفتين الذين يظهرون على الشاشات أصبحت ظاهرة سلبية جعلت العلماء والفقهاء يدعون إلى ترشيدها ووضع الضوابط الكفيلة لكي تخرج الفتوى صحيحة لا يتحمل وزرها من أفتى بها أو يتحمل نتيجتها من عمل بها.
المؤتمر العالمي للفتوى بمكة المكرمة الذي اختتم أعماله في مقر رابطة العالم الإسلامي يوم الثلاثاء الماضي ضم خيرة العلماء والفقهاء في العالمين العربي والإسلامي ليناقشوا هذه الظاهرة ويخرجوا بحلول شافية نحن في أشد الحاجة إليها لكي تنتظم العملية وتأخذ الشكل اللائق بها فلا تكون هناك عشوائية في إطلاق الفتاوى والصدام مع فتاوى أخرى.
وكانت النتيجة المبشرة أن المؤتمر أصدر ميثاقاً موحداً للفتوى وأوجب على جميع المفتيين الالتزام به، وبقراءة سريعة لميثاق المؤتمر نجد أنه تضمن عدة بنود من أهمها: عدم الفتوى في المسائل القضائية التي تحتاج إلى سماع أقوال الأطراف الأخرى، والقضايا العامة التي تحتاج إلى نظر جماعي، وتضمن أهم المشكلات التي تواجه الفتوى في الوقت الراهن.
وكان أبرزها ابتعاد بعض المتصدين للفتوى عن منهج الوسطية المبني على الكتاب والسنة النبوية المطهرة وسلوكهم كفريقين متطرفين إما التشدد أو التساهل المفرط، وصدور بعض الفتاوى بآراء شاذة عارية عن الدليل الصحيح المعتبر، وانفراد بعض المتصدين للفتوى بالإفتاء في نوازل تمس المجتمعات وتتصف بطابع العموم، وصدور بعض الفتاوى المخالفة لأصول الاعتقاد.
ودعا الميثاق إلى ضبط الفتاوى القائمة على الضرورات من خلال صدورها عن الاجتهاد الجماعي وان يستعان في تقدير الضرورات والأمور المتخصصة بأهل الاختصاص، وألا يتم تعميم الفتوى الخاصة المبنية على أساس الضرورة على جميع الأحوال والأزمان والأشخاص.
وكان من دعوات المؤتمر دعوة القائمين على وسائل الإعلام إلى عدم تمكين غير المؤهلين للفتوى علماً وعدالة من التصدي لها، وعدم نشر الفتاوى الشاذة والترويج لها، والاستعانة بأهل العلم الموثقين. وطرح المؤتمر مجموعة من الضوابط لتحتل الفتوى مكانها اللائق، شملت تعميق الشعور لدى المجتمع والأفراد بأهمية منصب الإفتاء.
وتأسيس الفتوى على علم صحيح مبني على القرآن الكريم والسنة النبوية أو ما يرجع إليها من إجماع أو قياس صحيح أو أصل شرعي معتبر، والحذر من أي ضغوط أو إغراءات قد تؤثر على المفتي في إصدار فتاواه، والحذر البالغ في الحكم بتكفير أحد من المسلمين فلا يجوز تكفير مسلم إلا بإتيانه أحد نواقص الإسلام لا يقبل تأويلاً، والحذر من الفتاوى الضالة، وعدم التوسع في الخلاف الفقهي في الفتوى، واتباع المنهج الوسطي في الفتوى والابتعاد عن التشدد أو مطلق التخفيف.
السيد الطنطاوي