حينما يدعو الإسلام إلى الصبر والرضا فليست هذه دعوة إلى التزهد والحرمان وإنما هي دعوة لاحتفاظ النفس بطمأنينتها ومن ثم مواجهة الشدائد التي قد تعترضها إلى أن تزول أو تزال، أما بعد ذلك فكل فرد له أن يستمتع بمباهج الحياة، والجماعة مطالبة بان تهيئ هذه المتعة لأفرادها جميعا فلا تحرمهم مما يدعوهم الله أن يستمتعوا به في الحياة الدنيا، أما أن يتضخم هذا التمتع والتنعم فهو أمر لا يقره الإسلام ويصفه بالإسراف والتبذير، ومن هنا فان للإسلام تعاليم تهدف إلى تنظيم الاستهلاك وترشيده فحرم حياة الترف ونهى عن الإسراف والتبذير والسفه وأمر بالاعتدال في الإنفاق دون مغالاة أو إمساك.

والانتفاع بنعم الله والاستفادة بما خلق أمر مطلوب طالما انه لا يقوم على إدخال الضرر بالنفس أو الإضرار بالغير..يقول الله تعالى مخاطبا بني ادم: »يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين» الأعراف 32.

فالاسلام يطلب الاستمتاع بمباهج الحياة المعقولة للناس جميعا كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم لذا وجه الخطاب إلى بني ادم ولكن المسلم له سمات بارزة تنعكس على طريقة استهلاكه فهو معتدل لا يقتر ولا يسرف في ماله انطلاقا من منهج يسير عليه وصفات يتصف بها دون غيره من المستهلكين وهو القوام والتوسط والاعتدال في كل شيء فالله تعالى يأمرنا بذلك ويثني على المعتدلين بقوله (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وفي نفس الوقت حذر المسلم من استهلاك أية سلعة محرمة تلحق ضررا بصحته أو ماله فهو مطالب باستهلاك الطيبات والامتناع عن الخبائث وقد اثبت العلم مدى الأضرار التي تلحق بالإنسان من وراء استخدامه الخمور ولحوم الخنزير وغير ذلك من الأطعمة والمشروبات المحرمة.

إن الإيمان بالله تعالى مالك كل شيء يترك أثرا ايجابيا على سلوك المستهلك وانضباط المعاملات ووقف كل أوجه الاستغلال والغش التجاري، فعندما يعلم الإنسان ويؤمن بان الله هو المالك الحقيقي والأصلي لمستلزمات الإنتاج والتجارة من أموال وسلع ويؤمن بذلك المستهلك والتاجر وهما طرفا المعاملات التجارية فسوف يتحقق العدل بين الطرفين.

ولقد حث الإسلام على إرساء القيم المعنوية لدى المستهلك المسلم وذلك باعتبار أن هذه القيم هي مناط التعامل بين المستهلكين والتجار ومن ذلك أن التجارة لها سمات خاصة فهي عنوان المسلم في الأمانة والصدق وهي مصدر خصب لنشر الدعوة الإسلامية وإنها مصدر حضاري كان يتمتع به المسلمون الأوائل لأنها بنيت على قيم معنوية تتفرع منها قيم العقيدة الإسلامية حيث برز دورها الكبير في ضبط المعاملات التجارية وسلوك المستهلك وهذه بدورها تدعم الثقة بين المتعاملين فتزداد المبيعات ويحصل المستهلكون على أقواتهم في أمان واطمئنان وتزداد أموال التجار الحلال.

أحمد عبد المجيد