قال الشيخ: يأبى قوم إلا أن يُجرّوا إلى الجنة بالسلاسل، وهؤلاء أقوام منهم من يبتليهم الله بأنواع من الابتلاء تجعلهم يخرجون عن شرنقة الرياء والعجب والفتنة بالأنا، فيلجأون إلى الله بعد أن تخلو الساحة من معين، وبعد أن تتساقط الأسباب واحداً واحداً فتكون هدايتهم بفضل ابتلائهم ويفوزون فوز الدارين.
ذلك أن الواحد منا يعيش على مجموعة عقائد منحرفة ومغالطات، منها أنه يملك نفسه، والحق انه لا يملك منها ولا فيها شيئاً، فكل ما فيه من أجهزة وأعضاء تعمل بأمر الله وهداية الله ومن شأن الحق سبحانه وتعالى أن يعطل جهازاً أو يمرض عضواً أو تكون الفاتكة القاتلة.
ومنها أنه يملك وقته، مع أنه عرضة لما قد يشغله في أي لحظة فينسيه حتى نفسه، هذا فضلاً عن الأجل الذي إن أتى لا يُقدم ولا يُؤخر، ومنها أنه يملك معارف أو مهارات تجعله أفضل من غيره، مع أن أمر هذه المعارف والمهارات وحتى عقله نفسه بيد الله يسحبها متى شاء فيعود عالةً على الناس وقد يعود كالطفل الصغير يتأفف من حوله من رعونتهِ وسوء تصرفه وغيرها أشياء تعرفونها، ومنها أنه يملك حياة من حوله أباً أو أماً أو زوجة أو أبناءً، مع أن كل هؤلاء من قبيل العارية التي قد يستردها الله في أية لحظة والأجل محتوم ولكن وقته غير معلوم.
ومنها أنه يملك ماله وهو قادر على التصرف به كما يشاء، مع أنه لم يكن له وقد انتقل إليه، وهو معرض لزوال هذا المال في حياته بضربة من ضربات القدر، ثم أنه سيأتيه يوم يترك فيه كل شيء ويُلف فيه بالقطن والشاش ويوضع وحده في قبر لا يجاوره فيه إلا الموتى.
ومنها أنه يملك الحق في أن يمارس شهواته كما يريد أمام الناس أو بعيداً عنهم، دون تفكير في مصلحته ومصلحة من حوله أولاً، وفي بصر الله وسمعه وملائكته ممن يحصون عليه أعماله حتى ما ينساه منها. ومنها أنه يملك مصائر من دونه ممن سخرهم الله لخدمته أو للعمل تحت إدارته ناسياً أن الحق سبحانه وتعالى هو الخافض الرافع وهو المعز المذل وهو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء وقد رأينا عبيداً صاروا أسياداً لمن كانوا يستعبدونهم.
وقل مثل ذلك بالنسبة لكثير من متعلقات القلب مما يعتبره كثيرون من قبل تحصيل الحاصل فلا يشعرون حتى بنعمة الله عندهم وهم بالتالي لا يتصورون زوالها ولا يؤدون حق الشكر عليها. أمثال هؤلاء قد يريد بهم الله خيراً فينتزع من بين أيديهم واحداً أو بعضاً مما تتعلق به قلوبهم وتعمى بسببها أبصارهم، فيكون البلاء من باب إقبال الله عز وجل على عبده وهدايته، وعندما يفتك الألم بواحدٍ من هؤلاء حتى يكاد يطيش عقله لا يجد إلا باب الله ملجأً فيلجه متحسراً على تقصيره وإسرافه في حق نفسه فينزل الله السكينة والطمأنينة على قلبه ولكن مع أنوار الهداية.
ومن يقرأ في تراجم الرجال من العارفين بالله يجد قصصاً من هذا النوع وضع فيها البلاء أقدام أصحابها على بداية طريق السلوك إلى الله، فلما عرفوا وخبروا وذاقوا نعيم التقرب إلى الله هانت عليهم مصائبهم وتعلقت قلوبهم بالمحبوب الأوحد، فصاروا أكثر قوة وقدرة على مقابلة النقص والفقد والمرض وغيره.
قد يستعظم البعض البلاء ثمناً للهداية والفوز بالدارين، فيكونون ممن طبع الله على قلوبهم وملأها بالغفلة والجحود، وأمثال هؤلاء لا يجدون ما يخفف عنهم مصابهم إلا أن يخبطوا رؤوسهم بالجدران أو يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة والانتحار، فهم مصرون على طلب جهنم الدنيا وجهنم الآخرة.. وهذا شأنهم ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ماهر سقا أميني