كانت الأجهزة الأمنية تسميها ب«القوة الرابعة»، لأن المعلومات المتوفرة لدى الأجهزة الأمنية كانت تشير إلى أن هذه العصابة مكونة من أربعة أشخاص. كانت القوة الرابعة قوة حقيقية فقد أدت إحدى المواجهات معها إلى قتل اثنين من رجال الشرطة وإصابة عدد آخر بجروح رغم أنه لم يصب أحد منهم. كان أفراد العصابة مسلحين بأسلحة أوتوماتيكية حديثة للغاية ومزودة بجميع الأجهزة الخاصة بالرؤيا الليلية ورصد أية حركة خلف أي جدار اسمنتي، لذا كان التعامل مع هذه العصابة يعني أن على الأجهزة الأمنية أن توفر رجالاً مدربين ومسلحين بمثل أسلحة هذه العصابة هذا على الأقل.
نشاطات متعددة: كانت الأجهزة الزمنية تعرف أن نشاط العصابة الرئيسي هو تهريب وتوزيع المخدرات، لكن نشاطها بدأ يتوسع وجلب فتيات من دول أوروبا الشرقية، ليس هذا فقط بل إن القوة الرابعة بدأت تُدخل أموالاً بقصد غسلها. كانت التقديرات الأولية تشير إلى أن رأس مال القوة الرابعة يزيد على نصف مليار دولار، لذا كان من السهل عقد صفقات مهما كانت خاصة وأن الذي بدأ يقوم بعقود الصفقات هن فتيات في العشرين من أعمارهن ويتمتعن بجمال أخاذ، وكان كل ذلك يتم باسم سيدة أعمال تتاجر بالعقارات والأسهم وصفقات النفط والغاز وتزويد السفن بالأغذية.
وكانت لدى الأجهزة الأمنية كل هذه المعلومات ولكن ليس هناك دليل واحد يمكن أن يُقدم إلى المحكمة تؤكد أن هذه السيدة أو الفتيات اللواتي يعملن معها أو حتى القوة الرابعة بأنهم متورطون في أعمال إجرامية. تم إصدار أمر بمراقبة الهواتف المحمولة للقوة الرابعة ولسيدة الأعمال وبعد أربعة أشهر من الرقابة والمتابعة المستمرة لم يتم تسجيل أية مكالمة تدل على تورط هؤلاء الأشخاص بأية أعمال إجرامية، ولكن المحكمة في أي مكان لا تقتنع إلاّ بالأدلة فقد كان من الصعب اعتقال أي منهم لأن الدليل غير موجود.
كان معروفا أن القوة الرابعة تتاجر بالهيروين النقي فقط، حيث تجلبه من دول من جنوب شرق آسيا وتبيع الكمية النقية بأرقام خيالية، لذا كانت عملية تهريب المخدرات تتم بطريقة سهلة لأنها كانت كمية قليلة، فكل مرة لا تزيد الكمية على (10 ـ 12) كيلوغراماً من الهيروين النقي والتي تصبح فيما بعد (50 ـ 80) كيلوغراماً بعد إضافة العظام المطحونة وكمية من الزجاج الأبيض وغيرها إلى الهيروين النقي.
هذه المعلومات جعلت الأجهزة الأمنية تركز على متعاطي الهيروين، كما صدرت أوامر لأجهزة التتبع والمراقبة بعدم اعتراض موزعي المخدرات، ولكن يجب تصويرهم وهم يسلمون وتصوير الذين يتسلمون، ومعرفة عناوينهم وأين يأخذون الجرعة. كان الهدف من ذلك هو إعطاء المروجين التابعين للقوة الرابعة فرصة للوصول إلى عملائهم وتوزيع الهيروين وبالتالي تتبع الخيط للوصول إلى القوة الرابعة.
لقاء عاطفي
في إحدى الليالي توقفت سيارة سوداء بجانب مطعم للوجبات السريعة حيث خرج رجلان من المطعم، وكان عناصر المراقبة يراقبون الموقف، فقد كانت السيارة السوداء في موقع شبهة، لكن الأمر أصبح واضحاً بأنه لقاء عاطفي فقد خرجت من السيارة فتاتان وعندما التقيتا بالرجلين أخذاهما بين أحضانهما، بدأت عناصر المراقبة تضحك من الموقف فقد كانوا يعتقدون بأنهم سيحصلون على بعض المطلوبين لكن حرارة اللقاء العاطفي خيبت آمالهم.
بعد انتهاء اللقاء العاطفي بثوانٍ انطلقت السيارة السوداء بسرعة كبيرة لفتت انتباه الجميع وعند ذلك هرع عناصر المراقبة إلى سيارتهم لينطلقوا خلف السيارة السوداء إلاّ أنهم توقفوا عن ذلك عندما شاهدوا الرجلين اللذين خرجا من مطعم الوجبات السريعة ملقيين على الأرض والدماء تغطي أرض الشارع. أسرع رجال المراقبة لطلب سيارة إسعاف حيث تم نقل الجثتين إلى المختبر الجنائي الذي أفاد بأن الرجلين قتلا بطلقات عدة في الصدر والقلب وأماكن حساسة من الجسم وأن الرصاص أطلق عليهما من مسافة قريبة جداً بدليل وجود آثار للبارود على ثيابهم.
كما أن الفتحات التي أحدثتها الرصاصات في جسميهما كبيرة جداً ما يدل على قرب المسافة التي أُطلقت منها الرصاصات، كما أشار تقرير المختبر الجنائي أي أن الرصاص أُطلق على الرجلين من سلاح أوتوماتيكي وأن السلاح كان مُركبا عليه جهاز كاتم للصوت حتى لا يُسمع صوت إطلاق الرصاص. حاولت الأجهزة الأمنية الوصول إلى معلومة عن طريق الجثتين لكن أحدهما لم يكن يحمل أوراقاً تدل على شخصيته، وتم أخذ بصمات الجثتين والحامض النووي (DNA) وتم الاحتفاظ بها لدى الأجهزة الأمنية.
كان مجرد إفلات السيارة السوداء بمثابة صدمة للأجهزة الأمنية، لذا تمت مراقبة هواتف المشبوهين، خاصة سيدة الأعمال وأفراد القوة الرابعة، لكن أياً من تلك المكالمات لم تكن تحمل أي مؤشر يدل على تورط القوة الرابعة أو سيدة الأعمال في جريمة قتل الرجلين. بدأ الشك واليأس يتسرب إلى الأجهزة الأمنية، ففي الوقت الذي قال فيه كبار المسؤولين بأننا نبحث في الجهة الخاطئة قال مسؤولون آخرون من الأفضل القبض على المشبوهين وإخضاعهم للتحقيق ووضعهم تحت أجهزة التعذيب حتى يعترفوا بأنهم تجار هيروين وأنهم قاموا بعمليات قتل وعمليات إجرامية أخرى، ولكن بعد مداولات استقر الرأي على مراقبة هذه المجموعة وتوسيع دائرة البحث عن مطلوبين آخرين.
مساعدة خارجية
قام فريق العلاقات الخارجية والعلاقات الدولية في الأجهزة الأمنية بالاتصال ببعض الدول للاستفسار عن سيدة الأعمال وخاصة وأن جنسيتها معروفة، لكن الرسائل التي جاءت من تلك الدول كانت تقول بأن هذه السيدة غير مطلوبة، أما وزارة داخلية بلادها فقد أشارت إلى أن السيدة التي لا يتجاوز عمرها ال(28) عاماً ومن أسرة متوسطة الحال فليس من المعقول أن تكون سيدة أعمال وتملك هذه الثروة الكبيرة، لذا طلبت وزارة داخلية بلادها إرسال المزيد من المعلومات عنها.
في هذه الأثناء وقعت معركة بحرية بين زورق سريع وخفر السواحل، حيث تمكن الزورق من الهرب إلى المياه الدولية، لكن الأجهزة الأمنية أرسلت ضفادع بشرية إلى حيث وقعت المعركة واستخرجت بعض الرصاص وأغلفة الطلقات الفارغة وبمقارنتها مع الرصاص والأغلفة الفارغة التي وجدت في مكان قتل الرجلين اللذين التقيا مع الفتاتين ذوات السيارة السوداء وجدتها جميعها متطابقة ما يعني أن العصابة كان تنوي إدخال كمية جديدة من الهيروين.
تم إرسال جميع المعلومات التي لدى الأجهزة الأمنية إلى «الانتربول» حيث جاء تقرير البوليس الدولي يؤكد بأن السيدة التي تدير أعمالاً تجارية مطلوبة للانتربول (بتهمة غير مثبتة) في عملية قتل لتاجر مخدرات في إحدى جزر الكاريبي. لكن تقرير البوليس الدولي لم يكن قاطعاً بأنها هي إنما الشبهات تحوم حولها، ولهذا جاء في التقرير أنها متهمة (بتهمة غير مثبتة).
كان هذا خيطاً جديداً يلتف حول رقبة السيدة إلاّ أنه غير كافٍ لإلقاء القبض عليها، فهذه السيدة بالتأكيد لديها جيش من المحامين ورجال القانون القادرين على إخراجها من هذه التهمة ومن ثم مقاضاة الأجهزة الأمنية بتهمة التشهير ب«سيدة محترمة» ما يؤثر سلباً على مركزها المالي.
من خلال مراقبة هواتف القوة الرابعة والسيدة تبين أنهم يخططون لعقد مؤتمر صحافي في فندق خمس نجوم لأخذ وكالة إحدى السيارات الفارهة، حيث تم دعوة عدد كبير من رجال الأعمال والصحافيين. هنا قال المسؤولون في الأجهزة الأمنية بأن هذه قد تكون فرصة سانحة للإيقاع بالعصابة وبسيدة الأعمال لذا تم تجنيد أكثر من أربعين مخبراً سرياً في صالة الحفل، حيث كانوا يقومون بخدمة المدعوين.
كانت التعليمات تقضي بأن يسجل المخبرون في أذهانهم كل صغيرة وكبيرة وكانت الكاميرات الخاصة بالأجهزة الأمنية تعج بالمكان وفي كل زاوية، وكانت تلك الكاميرات تنقل كل شيء إلى غرفة المراقبة. من خلال المراقبة الدقيقة تبين أن سيدة الأعمال والقوة الرابعة يرسلون إلى بعضهم البعض رسائل (SMS) رغم أنهم في ذات القاعة كما أنهم في بعض الأحيان كانوا ينقلون ما يريدون إلى بعضهم عن طريق الكتابة على ورق ثم يقومون بتقطيع هذا الورق قطعاً صغيرة وفي أحيان يحرقونها بسجائرهم.
ما تكاد قصاصات هذه الأوراق تقع في القمامة حتى يندفع إليها خبراء «إعادة تركيب وقراءة الأوراق» لكن المفاجأة أن هؤلاء الخبراء لم يتمكنوا من معرفة أي شيء فجميع هذه الأوراق كانت تحمل حروفاً وأرقاماً وليس كلمات. كان واضحاً للأجهزة الأمنية أنها تتعامل مع عصابة ذكية للغاية.
حادث سيارة
عرفت الأجهزة الأمنية أن سيدة الأعمال حجزت غرفة في الفندق الذي تُقام فيه الحفلة لذا قامت بوضع أربع كاميرات متطورة جداً وصغيرة جداً في أرجاء الغرفة كانت هذه الكاميرات قادرة على رصد كل حركة وكل صوت مهما كان صغيراً حتى الهمس يمكن رصدها، وتم ربط هذه الكاميرات بغرفة المراقبة الأمنية.
عندما دخلت سيدة الأعمال إلى غرفتها في ساعة متأخرة من الليل دخل معها رجل يحمل جهازاً يشبه الجهاز الخاص بكشف المعادن ثم قام بتمرير الجهاز على أرجاء الغرفة وبعد أقل من خمس دقائق تركت سيدة الأعمال الغرفة، فقد كشف الجهاز وجود كاميرات مراقبة في الغرفة. أحس رجال الأمن بأن الأمور بدأت تفلت من أيديهم، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فعندما انطلقت سيدة الأعمال بسيارتها خارج الفندق كانت على ما يبدو خائفة لأنها أحست بأنها مراقبة لذا لم تنتبه إلى رصيف عالٍ كان بجانب الفندق، حيث اصطدمت به سيارتها.
كانت الصدمة قوية حيث أصيبت السيدة بحالة إغماء، اندفع رجال الأمن المتخفون الذين كانوا خلفها بالسيارة إليها حيث نقلوها إلى المستشفى. في المستشفى تبين أن هناك كسراً خفيفاً في يد السيدة حيث تم وضع جبيرة لها. عندما عرف رجال القوة الرابعة جاءوا مسرعين وأخذوا السيدة إلى مستشفى خاص غير الذي كانت فيه، في هذه الأثناء كانت المعلومات تتسرب إلى الأجهزة الأمنية بأن هناك شحنة ستدخل عن طريق أحد الموانئ البعيدة.
تم وضع خطة محكمة للإمساك بالشحنة والأشخاص الذين سيكونون معها، كما تم توزيع عدد من الزوارق السريعة على مسافة كافية من الميناء البحري إضافة إلى وضع زوارق أخرى في المياه الدولية. كان الهدف من وضع تلك الزوارق في المياه الدولية هو اعتراض الزورق الذي سيحمل الشحنة لو حاول الفرار كما فعل في السابق، حيث كانت الخطة تقضي بمطاردته في المياه الدولية إن حاول الفرار مرة ثانية.
كانت المعلومات تصل عن القوة الرابعة تباعاً وكذلك عن السيدة وكان الجميع مشغولين بإدخال الشحنة لأنها بالنسبة لهم تعتبر صفقة العمر، وكانت الأجهزة الأمنية مشغولة هي الأخرى بالمعلومات التي أصبحت لديها والتي تصلها كل ساعة. كانت سيدة الأعمال هي التي تدير العملية بشكل كامل أما رجال القوة الرابعة فكانوا منفذين لكل تعليمات السيدة. وأخيراً تم تحديد موعد دخول الشحنة، وكان بالطبع الميناء البعيد هو الهدف للزورق الذي يحمل الشحنة.
أصدرت الجهات الأمنية أوامرها بأن تكون الحركة في الميناء عادية وعدم وجود أية مظاهر تدل على الاستنفار. كانت سيدة الأعمال قد حددت الساعة الثانية بعد الظهر لدخول الزورق إلى الميناء، وذلك لأنه في هذه الساعة تكون قوارب وسفن الصيد الصغيرة في طريقها إلى الميناء عائدة من المياه الإقليمية والدولية فيدخل الزورق دون أن يلفت الانتباه إليه. كانت الأجهزة الأمنية قد حددت الزورق ووضعته في مرمى نيرانها، وكانت مجموعة من الضفادع البشرية أخذت مواقعها هي الأخرى.
كانت السيدة على اتصال بقبطان الزورق وبأعضاء القوة الرابعة عن طريق الرسائل النصية (SMS) وكانت الأجهزة الأمنية تلتقط هي الأخرى تلك الرسائل عن طريق الأجهزة التي لديها وأخيراً اتصل قبطان الزورق بالقوة الرابعة قائلاً لهم أين أنتم أنا لا أراكم، هنا ردت السيدة وقالت نحن نراك اقترب من الرصيف أكثر. اقترب الرجل بزورقه من الرصيف وقام بوضع صناديق من البرتقال على جانب الرصيف، أحس رجال الأمن بأن الرجل كان قاصداً أن يُري أي شخص قريب منه بأن الصناديق فيها برتقال، وهنا تقدمت سيارة صغيرة وقام سائقها بوضع الصناديق الثلاثة في السيارة ثم انطلق بها خارج الميناء في الوقت الذي انطلق فيه الزورق خارجاً من الميناء باتجاه المياه الإقليمية.
اتصل سائق السيارة الصغيرة التي تحمل الصناديق بالسيدة قائلاً لها أين أذهب فقالت له نحن في سيارة من نوع (.....) وبعد دقيقتين سأكون أمامك وسأقوم باستخدام ضوء (البريك) أمامك مرتين حتى تعرف السيارة وعلى أي حال هي لونها أبيض. كانت الأجهزة الأمنية تسمع كل شيء، وأخيراً عندما أصبحت سيارة السيدة والقوة الرابعة أمام السيارة التي تحمل الصناديق تم اعتراض السيارتين، كانت القوة الأمنية كبيرة، وفي الوقت ذاته قامت طائرة عمودية بالاقتراب من سطح سيارة السيدة والقوة الرابعة وأطلقت موجة كبيرة من أشعة الليزر التي أوقفت الأجهزة التي بداخلها وعطلت السيارة. تم اقتياد السيدة والقوة الرابعة إلى غرفة التحقيق وكان معهم سائق السيارة التي تحمل الصناديق وقبل التحقيق معهم انضم إليهم قائد الزورق حيث اعترضت الزوارق والضفادع البشرية طريقه وتم اعتقاله.
حاولت السيدة والقوة الرابعة الإنكار والتنصل من أي شيء لكن الضابط المسؤول عن التحقيق أخبرهم بأن كل المكالمات الهاتفية التي كانت بينهم وكل الرسائل المرسلة عبر هواتفهم تم اعتراضها وأن خططهم كانت معروفة للأجهزة الأمنية منذ دخول السيدة إلى المستشفى، حيث تم غرس شريحة في الجبيرة التي على يدها وهنا طلب الضابط احضار طبيب لفك الجبيرة عن يد السيدة، حيث تم إخراج الشريحة التي كانت تنقل للأجهزة الأمنية جميع المعلومات عن أفراد العصابة.
في هذه اللحظة كانت الأجهزة الأمنية تعتقد أن الصناديق تحتوي على هيروين نقي، لكن الصدمة كانت كبيرة للغاية عندما عرفوا أن الصناديق تحتوي على برتقال فعلاً، ولكن بداخل كل صندوق أنبوب من الفولاذ لا يتجاوز طوله 45سم وعرضه 8سم وأن الأنابيب الثلاثة تحتوي على الزئبق الأحمر. تم استنفار الوحدة الكيميائية للتعامل مع هذه المادة الخطيرة جداً جداً، كما تم الاتصال بوزارة الداخلية التابعة للدولة التي تنتمي إليها السيدة، حيث وصل وفد لمقابلة السيدة، فقد تبين أن أكثر من أربعين أنبوباً تحتوي على مادة الزئبق الأحمر قد فُقدت منذ انتهاء الحقبة السوفييتية لتلك الدولة. خلال التحقيق اعترفت السيدة وأعضاء القوة الرابعة بما نسب إليهم من تهم مؤكدين بأن هذه الأنابيب كانت في طريقها إلى مكان آخر.
إعداد ـ أحمد سلطان
