في بيت فقد سقفه الروحي في بواكير العمر .. وعلى مشارف طفولة الأبناء المتهاوية بفعل أوجاع المسؤولية المبكرة، نشأت نورة ومريم.. وطيف الوالد المتوفى في حادث سيارة يتراءى خلف شبابيك العمر الماضي.. كالحلم العابث، فلا الذكرى تسترجع التفاصيل.. ولا الحنين يجد مكانه في بيت تسكنه روح الأب.. ونسخة أخرى تستجدي ذكرى الوالد اسمها خلفان.. الأخ الأصغر.. الذي فقد والده قبل أن يملأ فراغ الأسرة.. وسُمي باسمه علّه يكون الوالد.. والأخ وسقفاً يظلل أسرة انتظرته مطولاً.
نورة الأخت الكبرى، وبالرغم من الفارق السني الصغير الذي لا يتجاوز السنتين بينها وبين مريم، إلا أنهما انخرطتا في الصف ذاته، وتقاسمتا رغيف الصبر، وواجهتا سيلاً من الدروس بالجلد والرغبة في إعادة التوازن الذي خلفه غياب الأب.. أما الأم .. فاحتضنت الجميع مواجهة نظرة غير مفسرة أرختها ظلال «الأرملة».. التي سارعت بخريف العمر .. وضاعفت من آثاره.. التحقت البنتان بالمدرسة.. دروس في الصف.. وأخرى في المنزل، مبادئ اللغة والعلوم والطبخ والتربية في طبق واحد.. خبرات الحياة تتراكم والبنتان تتفوقان في استخلاص دروسها..
يبدو أن غياب الأب أوجد العديد من الآباء .. ففي الأفراح يصبح الجميع مطالبا بتقديم المشورة للأيتام.. بينما الشدائد وضيق الحال تعتبر شأناً خاصاً لا يجوز التدخل فيه.. في المرحلة الثانوية ..خطبت نورة لابن الجيران .. سالم الذي لم يكمل عامه العشرين بعد..
نورة تتوجس من قرار سريع .. يبعدها عن الدراسة التي شغفت بها، وعن منزل هي أحد أركانه الأربعة، الزواج تم بمباركة جماعية .. فرأي البنت ليس بتلك الأهمية في نظر حريم الفريج .. «البنت يتيمة .. ومب كل يوم بييكم ريّال زين».. «بس الولد ما يشتغل وما عنده بيت.. وين بيعيشون؟» .. «الله يهديج .. تراه يدوّر شغل الحين.. وبيسكنون ويا أهله .. وعقب إن شا الله يصير خير .. » بوادر الموافقة تتكئ على هم اسمه مسؤولية البنات .. التي يستريح منها خلفان .. ويحملها رجل آخر.
على تلك الأنغام .. والتعويذات التي تردع شر العنوسة عن البنات.. تزوجت نورة من سالم .. وتأرجحت الحياة بين منزل عائلة سالم تارة، وحجرة نورة في بيت الطفولة تارة أخرى.. بينما الاستقرار الأسري مفهوم لا تتعرف عليه العائلة الصغيرة بعد.. ونورة تتساءل.. إن كان كتب عليها أن تعيش طفولة وشباباً وأمومة في الغرفة ذاتها.. ممكن .. بينما أم نورة تواسي تلك التساؤلات «كله يهون يا بنتي.. المهم انج عند ريّال.. يرعاج عقب عيني..»
صبرت نورة كثيراً .. وصدى حديث والدتها يتردد عالياً كلما اقتربت من خطوة الخلاص .. ولكنها عادت بعد سنوات قضتها تستجدي ورقة الطلاق.. مع طفلين كانا ثمرة هزيلة.. لنهاية فاشلة .. «سامحيني يا أمي ما قدرت أصبر.. يسكر ويضربني .. ويضرب عياله ..هذا كله كوم .. وانه يخونني كوم ثاني .. هذي مب عيشه!؟»
فشل نورة ما زال يتراءى لشقيقتها مريم.. التي أصبحت حديث الصباح والمساء في منزل لا تخفى أسراره على أحد.. «أختج ما طاعت تعرّس وهي مب صغيره .. ما أدري شو آخرتها وياها».. «خلاص يا امي خليها على راحتها.. أنا عرست ورديت .. شو استفدنا؟»..
انتصرت رغبة الأم.. تزوجت مريم في الأربعين .. ووجدت من تسند ظهرها إليه.. حتى لا تبقى عانساً عاشت ترعى أرملاً كبر أولاده وأحفاده وانزوى جانباً.. حتى لو كان الشايب بو ناصر.. الذي طلّق مريم في نوبة شك وغيرة، داهمته.. ولطخت شرف الزوجة.. التي عادت إلى منزل العائلة بعد سنوات من التضحية أثرت تجربة الفشل مجدداً.. فكانت مريم نسخة مماثلة لنورة .. ووجهان في تجربة زواج هشة.. وإن اختلفت فصولها..
أمل الفلاسي
