تدافعت الأخبار وتعالت أصوات المذيعين لتعطي الخبر اليقين فتنساب الكلمات معبرة عن تنديدها لما يجري على أرضنا الحبيبة في فلسطين، وعلت الأصوات وشجعت أفراد المجتمع ليحكوا ما يشاهدونه من اختراقات من طرف العدو الصهيوني، وتحولت جميع الدول العربية إلى منابر يطلقون من خلالها الشعارات المنددة والمستنكرة لما يجري من ظلم واضح على ارض فلسطين الحبيبة ارض الإسراء والمعراج الطاهرة.
وتنافس المتنافسون وبلغ الصدى مداه.. ولم تستطع إيقاف هذه الآلة العسكرية الصهيونية، ووقفت انتظر ساعة الصفر وجاء موعد دخولي إلى ارض فلسطين حاملا لسانا هجينا لطول الوقت الذي انتظرته خلف الحدود.. كنت أستعد للدخول لمساعدة الأطفال وكبار السن والنساء الذين تعرضوا إلى إصابات خطيرة من قبل العدوان الصهيوني.. لكي أقوم بواجبي الإنساني من خلال مهنتي كطبيب.
انتظرت وعشرة أطباء اكثر من اسبوع للسماح لنا بعبور المعبر.. وجاء صوت المنادي بعد صبر طويل ليطفئ نار الانتظار وأعلن أن الجهات المختصة وافقت على دخولنا إلى فلسطين.. لم استطع ان اعبر عن الفرحة التي كانت بداخلي عندما سمعت ذلك المنادي يأمرنا بتقديم جوازات السفر التي تخصنا كأطباء .. وبعد ان قام الاطباء بإعطاء الجوازات له ..كانت الفاجعة بالنسبة لي !!
بحثت عن جواز السفر فلم اجده ..وتذكرت أنني نسيته في بلدتي ولم احضره معي .. لا استطيع ان اصف لكم مدى حزني الشديد وبكائي الذي لم ينقطع لضياع تلك الفرصة الانسانية ..كنت حينها أتمنى ان تبتلعني الارض وكنت اتوسل لرجل الامن الذي سيقوم بدوره بأخذنا الى الحدود بأن يسمح لي بالدخول ولكن دون جدوى لما اقول .. رفض وقال لي لا يجوز الا بجواز السفر ..وحينها ادركت أنني لن ادخل مما يحتم على ذلك ذهابي الى البلدة التي تبعد ثلاث ساعات سفر لكي احضر الجواز..
باءت كل محاولاتي بالفشل مع المسئول للسماح لي بالدخول ..ولكن جاءتني فكرة الاتصال بأخي ..لكي يحضر لي جواز السفر خوفا من أن يصدر أي قرار على الحدود. قمت بالاتصال ووعدني أخي بالحضور بسرعة ..وفي لحظة انتظاري قمت بالتجول بجانب الجدار الذي يفصل بيني وبين زملائي الأطباء الذين سمحت لهم السلطات بالدخول وكان الدمع شريكي حين رأيتهم يدخلون تلك الأراضي المقدسة لإتمام عملية مساعداتهم الإنسانية للمصابين وملامسة أجسادهم الشريفة...
انتظرت شقيقي أكثر من ست ساعات.. ولم يصل..ولم انقطع من الاتصال به لحظة بلحظة على الجوال وعندما اقترب من الوصول كنت أجهز نفسي لأخبر ذلك المسئول أن الأمر بات قريبا ... ولكن فاجأني ذلك المسئول حين اخبرني أنني لن استطيع الدخول اليوم ..والأمر أكثر سهولة في الغد .. جلست أدعو الله وأرجوه بأن يكتب لي مساعدة إخواني المصابين دون أي مشاكل تعيقني من الدخول إلى الأرض الطاهرة التي روت دماء الشهداء رمالها وحجارتها..
وبعد لحظات وصل شقيقي الذي لم يصدق ما رآه ..لقد كانت منطقة الحدود تعج بالأطباء المتطوعين من الرجال والنساء وحتى الشباب الذين تركوا بيوتهم في سبيل الوصول إلى المناطق الفلسطينية لمساعدة إخوانهم .. شقيقي محمد الذي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما فاجأني عندما قال لي انه يرغب بمساعدتي والدخول إلى فلسطين، وأعد العدة لذلك فقد أحضر جواز سفره معه..
ان العزيمة التي تمتع بها شقيقي والشجاعة أذهلتني لإصراره الشديد على الذهاب معي الى فلسطين، ورأيت في عينيه إصرار الشباب العربي والمسلم على نصرة إخوانه في أي بقعة على وجه الأرض.
عبدالرحمن الوهيبي
