أكثر من 550 شهيدا وأكثر من 3000 جريح فلسطيني سقطوا حتى الآن في العدوان الصهيوني المستمر على قطاع غزة والذي أسفر كذلك عن تدمير معظم المقار الأمنية في غزة كما استهدفت الطائرات والسفن الحربية الصهيونية البنية التحتية في القطاع بما في ذلك المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والمنازل مما لا يدع مجالا للشك أن أهداف العدوان تتعدى وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المواقع والمدن الإسرائيلية لتغيير الواقع على أرض غزة ومسح وجود حماس كما أعلن القادة السياسيون والعسكريون في إسرائيل.

وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان: » مجزرة غزة: الأبعاد والنتائج المحتملة» وقد وجهنا الدعوة لعدد من الأكاديميين والمحللين السياسيين وذلك لمناقشة الوضع في قطاع غزة على اثر العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة والنتائج المحتملة التي ستسفر عنه، وذلك وفق المحاور التالية: * المحور الأول: حجم العدوان الصهيوني على غزة والأدوات المستخدمة فيه. * المحور الثاني: الأهداف الحقيقية للعدوان الإسرائيلي والتصريحات الصهيونية بهذا الخصوص. * المحور الثالث: ردود الفعل المحلية والعربية والدولية على العدوان الإسرائيلي.

قبل عدة أيام من شن القوات الإسرائيلية عدوانها البري الواسع على قطاع غزة عقدت هذه الندوة وهذا ما توقعه المشاركون في الندوة عند حديثهم في الحلقة الأولى عن حجم العدوان وأهدافه المعلنة والخفية سواء كانت سياسية أو عسكرية وقالوا إن أهم هدف للغزو هو تركيع المقاومة الفلسطينية وإجبارها على قبول التسوية والاعتراف بإسرائيل ونستكمل في الجزء الأخير من الندوة بقية آراء المشاركين حول أهداف الغزو وردود الفعل المحلية والعربية والدولية وتاليا التفاصيل:

* د. صالح سليمان عبد العظيم: هناك فرق كبير بين رؤيتين مختلفتين على الساحتين العربية والفلسطينية وهما رؤية المقاومة ورؤية المساومة كما ذكر ذلك الدكتور عزمي بشارة على إحدى القنوات الفضائية، والهدف الرئيسي من الحرب على غزة هو بقايا المقاومة في العالم العربي بغرض إنهائها تماما لفرض حل وتسوية للقضية الفلسطينية مرة واحدة وللأبد، ولكن اللافت للنظر أن هناك حالة إجماع داخل فلسطين ذاتها على المقاومة سواء من قبل عناصر حماس أو فتح وما هو موجود في معظم الدول العربية هو أن التيار الشعبي هو الجارف أو الأكثر لكن التيار السياسي يفرض نفسه.

والسؤال هنا كيف تستطيع فئة بسيطة داخل فلسطين- لها مشروعها للتسوية مع الخارج وخاصة أميركا وقوى الاعتدال العربي- أن تفرض نفسها بمثل هذا الحجم على الإجماع الشعبي في فلسطين خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الشعب الفلسطيني هو احد قوى المقاومة في الوطن العربي بالإضافة لحزب الله في لبنان؟

* د. علي قاسم الشعيبي: أعجبت بتحليل الدكتور سعيد حارب عن الأهداف الكامنة للهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ولكن أريد أن أتحدث عن مسار آخر لهذه الأهداف يتعلق بأهداف أخرى غير إسقاط حماس هي بمثابة رسائل للدول العربية ككل.

أنا اعتقد أن هناك رسائل واضحة تماما بشأن وجود حماس في غزة وقدرتها على إثبات ذاتها وأتمنى أن لا تسقط حماس لان سقوطها سوف يعطينا مؤشرا على نجاح هذه الرسائل الموجهة إقليميا إلى المنطقة العربية حيث أن هناك توجها بعدم استقواء حماس في المنطقة العربية وعدم وجود ما يسمى بـ «الإمارة الإسلامية» في خاصرة مصر.

وعلينا أن لا نغفل هذا المعطى خصوصا وان هناك توجها عربيا وحديثا عن تسريب معلومات عربية بضرورة اقتلاع حماس من جذورها وهذا الاقتلاع لا يعني فقط القضية الفلسطينية وإنما يعني كل المنطقة العربية ويعني كذلك سلامة بعض الأنظمة العربية وهذا ما شاهدناه خلال مؤتمر القمة الخليجي في مسقط.

وفي الدعوات للقمة العربية الطارئة إذ لاحظنا نوعا من التراخي وكأن هناك من يقول للإسرائيليين استمروا وواصلوا اجتثاث حماس ومن ثم سوف يتم التحاور على كل الأمور وهنا ارغب بان أؤكد على عدم إغفال هذا الجانب لأنه مرتبط بتوجه إقليمي آخر هو الحد من التمدد الإقليمي لبعض دول الجوار. من ناحية ثانية فان هناك التفافا شعبيا فلسطينيا وعربيا حول المقاومة.

* د. نشأت الأقطش: الشعب الفلسطيني لا يريد برنامج التسوية وهذا يفسر سبب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية السابقة والأخطر من هذا أن 25% من الأجهزة الأمنية وهم من حركة فتح قد صوتوا لحركة حماس، لكن كيف تقود هذه الفئة الصغيرة الأوضاع في فلسطين فلأنها معها أميركا وإسرائيل والأنظمة العربية وذلك في ظل تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة عن بعضها بعضا ومع ذلك فان أجهزة السلطة الفلسطينية تتحرك في الضفة الغربية فيما يصعب تحرك المعارضة والمقاومة.

وبالنسبة للالتفاف الشعبي حول المقاومة فهناك انفصام بين الأنظمة الرسمية والشعوب العربية ولا احد يستطيع أن ينظر على الشعوب العربية فجميع الشعوب العربية ضحت من اجل فلسطين وقلوبها مع فلسطين، وأما سبب الدعم والالتفاف الشعبي الفلسطيني والعربي لحركة حماس فلان يد حركة حماس نظيفة وقادتها يعيشون كبقية أبناء الشعب الفلسطيني، كما أن لجان الزكاة عندهم يوصلون المساعدات للفقراء.

وعندما دخلت حركة حماس باب المقاومة عام 1987 أثبتت قوتها بما قامت به من عمليات حقيقية موجعة للكيان الصهيوني، ولما انكمش الآخرون عن المقاومة وذهبوا إلى التسوية فقد توجه الناس إلى البديل وإذا ما انجرت حماس إلى التسوية فان حركة الجهاد ستكون هي البديل لحماس. ونحن كشعب فلسطيني وكشعوب عربية نرفض أي احد يتنازل عن القدس، أو أن يتنازل عن 78% من فلسطين في أوسلو، وقد ثبت أن السلام لا يرجع شيئا مما زاد الالتفاف حول المقاومة وذلك في ظل استمرار بناء الجدار العازل وإقامة المستوطنات ومصادرة الأراضي الفلسطينية.

أما ماذا عن النهاية؟ فإما أن تكون حماس بداية لشيء في الوطن العربي، فإذا ما انتصرت حماس فان الأنظمة العربية ستبدأ تحسس على رؤوسها لان الجماهير العربية في واد والأنظمة العربية في واد آخر، وأمام إسرائيل خياران فإما أن تستمر في القصف وهذا لن يغير شيئا على الأرض أو أن تدخل إسرائيل ارض غزة وهنا ستكون الملحمة وستخسر إسرائيل الكثير من قواتها هناك، ولكن إذا ما أرادت إسقاط حماس فلا بد من تدخل آخرين وهذا أمر صعب جدا، كما أن فكرة استسلام حماس لن تكون، لان ما تبحث عنه حماس النصر أو الاستشهاد، فالقدرة العسكرية لا يمكن أن تنتصر على الإرادة.

دور الإعلام

* د. محمد المطوع: ننتقل الآن إلى المحور الثالث والمتعلق بردود الفعل العربية والدولية بشأن العدوان على غزة، فأنا اعتقد أن إسرائيل خسرت إعلامياً على المستوى العالمي فما نشاهده من مظاهرات في كل العالم وما فيها من تنديدات ضد المجازر في غزة وإدانة إسرائيل وبالتالي فإن هذا يشكل ربما خطورة على إسرائيل إعلاميا خاصة في ظل ثورة الاتصالات التي تبث ما يحدث على ارض الواقع في لحظتها، أما عن ردود الفعل العربية فإنها أيضا مهمة.

وهي تتوالى وكان آخرها في دولة الإمارات العربية المتحدة قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإيقاف حفلات رأس السنة تضامنا مع الأهل في غزة بالإضافة لانطلاق حملات الدعم المادية لإغاثة سكان غزة، وبالتالي فان ردود الفعل العربية والدولية تؤكد وقوف الناس في كل مكان مع البشر ضد الظلم والعدوان وهذا سيؤثر في النهاية على الإسرائيليين والأميركيين والأوروبيين.

رفض التسوية

* د. نشأت الأقطش: ردود الفعل مهمة جدا سواء الرسمية أو الشعبية، ولكن هناك قناعة بأنه لو اجتمع العالم اجمع مع حماس فلن يستطيع عمل شيء لان أميركا متفوقة على العالم بأربع أجيال في مجال الطيران وبالتالي فليس أمام حماس انتظار أكثر من المعونات الطبية والإنسانية ولكن على حماس أن تثبت حالة والدفاع عن نفسها والانتصار لأنه حتى لو اجتمعت الدول العربية فلن تقدم شيئا عسكريا حقيقيا .

ولن تزيد ردود الفعل الرسمية عن الشجب والإدانة والتنديد، فمن في المعركة ضد غزة هي أميركا وهي ترغب في اجتثاث حماس ومنذ أكثر من عام وأميركا تدفع الإسرائيليين لدخول غزة وإسرائيل ترفض ذلك لأنها تعلم ماذا يقابلها عند دخول غزة، والآن تريد إسرائيل خنق غزة لتأخذ الاعتراف بها. وعلى المقاومة في غزة أن تعتمد على نفسها وبعد انتصارها فان الدول ستقف معها فلا أحد يقف مع الضعيف.

المساندة الشعبية

* د. سعيد حارب: عندما ننظر إلى ردود الفعل في الوطن العربي فهي تنقسم إلى ردود فعل رسمية تتضمن بيانات الشجب والتنديد وعلى المستوى الشعبي مسيرات ومظاهرات ضد العدوان على غزة، وانأ لا اعتقد أن إسرائيل تراهن كثيرا على الموقف العربي سواء الشعبي أو الرسمي، ولكن ما يهمنا هو المراهنة على الموقف العالمي فإسرائيل يهمها جدا المساندة العالمية لها فمعظم دول العالم قراراتها مصنوعة شعبيا عبر الانتخابات الديمقراطية.

لذلك عندما ننظر إلى أوروبا والتي تكاد تكون معقلا للإعلام الصهيوني وكذلك في أميركا نفسها حيث خرجت بعض المواقف ضد العدوان الإسرائيلي فاعتقد أن هذه الظاهرة تشكل موقفا صعبا للإعلام الصهيوني وما بنته إسرائيل من دعاية خلال السنوات الماضية، خصوصا بعد مطالبة بعض البرلمانيين الأوروبيين بالضغط على إسرائيل ومحاكمة بعض قادتها باعتبارهم مجرمي حرب.

واعتقد أن هذه المواقف هي التي يمكن أن تكون مؤثرة في الضغط على إسرائيل، أما المواقف العربية فقد شاهدنا ظاهرة جديدة خلال العدوان على غزة هي مشاهدتنا لأول مرة في بلدنا العربية أن العرب يهاجمون بعض السفارات العربية وهذه ظاهرة مؤسفة لا نقبلها من شعوبنا ولكنها تعبير عن عجزنا للترويج لمواقفنا السياسية.

كما انه لأول مرة تقاد شعوبنا في بعض البلدان العربية بقادة سياسيين أو دينيين من الخارج وتم رفع صور وشعارات لزعماء دينيين وسياسيين ليست من تلك الدول، وهذه مؤشرات خطيرة على أن انعكاسات ما يحدث في غزة لن تتوقف نتائجه وربما تمتد إلى كثير من البلدان العربية.

* د. صالح سليمان عبد العظيم: يجب هنا الإشادة بالمظاهرات التي قامت في الوطن العربي والتي خرجت للشوارع في اليوم التالي للضربات الجوية الإسرائيلية على قطاع غزة، وبالنسبة لموضوع مهاجمة بعض السفارات العربية وغيرها فنحن لا يمكن أن ننتظر من الشعوب العربية بان يكون لديها الوعي السياسي الحقيقي بين يوم وليلة وهي الشعوب المدجنة والمقموعة وتعاني من الفقر فهي ليس لديها أي نوع من التنفس السياسي.

ولكن يجب أن يأخذ أي شعب عربي بموقف نظامه السياسي وهنا على المثقفين أن يلعبوا دورهم في التوعية لان فلسطين تمسنا كلنا، واللافت للنظر أن بعض المظاهرات العربية عفوية وقد فوجئت حقيقة بردة الفعل في الشارع الموريتاني مثلا، والمهم كيفية توجيه هذه المظاهرات العربية بطريقة ايجابية. واعتقد أن بعض الأنظمة العربية قد ركبت موجة المظاهرات وتغيرت تصريحاتها بعد انطلاق المظاهرات وأصبح المسؤولين فيها يطلقون تصريحات متوازنة بعد أن كانوا يحملون حركة حماس مسؤولية ما يحدث في غزة.

تحركات دولية

* د. علي قاسم الشعيبي: من يرصد ردود الأفعال بعد عدة أيام من بدء العدوان على غزة يلاحظ وجود تغيرات في توجهات الإعلام العربي وخاصة إعلام القنوات الفضائية، والجانب الآخر بالنسبة للمظاهرات العربية فاعتقد أن هناك حالة احتقان عربية بدءا من أحداث العراق والصومال وغيرهما والآن تبحث الجماهير العربية عن متنفس لها فوجدت في ما شاهدته على شاشات القنوات الفضائية من صور للضحايا الفلسطينيين في غزة متنفسا لما تعانيه من احتقان وهذا جانب ايجابي.

وبالنسبة للإعلام الغربي فقد حركته الأحداث ولمسنا تعاطفا مثلا في جنوب إفريقيا وكانت ردود الأفعال الغربية ذات بعد إنساني مما اثر على صناعة القرار الأوروبي والأميركي. وقد لعب الإعلام دورا هاما في أحداث غزة وقد قمت برصد 20 قناة فضائية عربية ولاحظت أن كثيرا من هذه القنوات غيرت برامجها للحديث عما يجري في قطاع غزة ومناقشة أبعاد ما يحدث هناك.

* د. محمد المطوع: اعتقد أننا غطينا الموضوع بما فيه الكفاية وفي النهاية نشكر لكم مشاركتنا في هذه الندوة.

المشاركون في الندوة

د.سعيد حارب /جامعة الإمارات

د.علي قاسم الشعيبي /خبير إعلامي

د.نشأت الأقطش /جامعة الشارقة

د.صالح سليمان عبد العظيم /أستاذ جامعي

أدار الندوة:

أ.د محمد عبد الله المطوع

الإعداد والتحرير:

موسى أبو عيد

تصوير :مصطفى الأميري