قبل عدة أيام من شن القوات الإسرائيلية عدوانها البري الواسع على قطاع غزة عقدت هذه الندوة وهذا ما توقعه المشاركون في الندوة عند حديثهم عن حجم العدوان وأهدافه المعلنة والخفية سواء كانت سياسية أو عسكرية وننشر اليوم الجزء الأول من الندوة وتاليا التفاصيل:
* د.محمد المطوع : نناقش اليوم موضوعا من أصعب المواضيع وهو مجزرة غزة بأبعادها ونتائجها ، ومما لا شك فيه أننا خلال متابعتنا لما يجري في غزة من كارثة ومحرقة للشعب الفلسطيني راح ضحيتها أكثر من 460 شهيدا حتى الآن فيما تجاوز عدد الجرحى 3000 شخص وهذا يدفعنا بشكل أساسي لإلقاء الضوء على حجم العدوان الصهيوني على غزة والأدوات المستخدمة فيه والأهداف الحقيقية للعدوان وفق التصريحات الصهيونية في هذا الخصوص.
* د.نشأت الأقطش : إذا ما نظرنا إلى الطرف الآخر فان حجم الهجوم ضخم جدا ولا يوجد أي نوع من التوازن فإسرائيل تستخدم كل القوة العسكرية بما فيها من أسلحة تكنولوجية متقدمة لقمع قوة بدائية وبالتالي فإننا نحكي عن نسبة 100 % والسبب الذي دفع إسرائيل لتوجيه ضربة قوية في بداية عدوانها هو الأمر الهام فعندما خرجت وزيرة الخارجية الصهيونية على الفضائيات قالت هذه رسالة للجميع.
وهذا هو كل شيء فهي تعبر عن أسلوبهم في الضرب وبالمناسبة فان ما تم ضربه في الضربة الأولى ليس شيئا مهما فقد استهدفوا قوة شرطية مدنية تنظم السير وأمور الناس العادية وأكثر من 50% منهم ليسوا من حماس وبعد عدة أيام من العدوان لو قمنا بإحصاء كم خلية قسام تم قتلها وهو الهدف المعلن للعدوان ، فهو لا شيء حتى الآن فوزير الحرب الصهيوني أيهود باراك قال سنفعل ما يمكن فعله لأنه يعلم جيدا أن الهدف الذي أعلنه السياسيون والذي يختلف عما يريده العسكريون لن يتحقق.
وبالتالي فان هذا الحجم الكبير من الأدوات المستخدمة في العدوان هو لمحاربة من؟ ومع أننا لسنا عسكريين لكن عندما يتم استخدام هذه القوة الهائلة من طيران وما لديها من تكنولوجيا متقدمة تصور كل شيء فإنها تكذب عندما تصور سيارة تبديل اسطوانات غاز على أنها سيارة تحمل صواريخ وهذا يعكس إفلاس الاستخبارات الإسرائيلية من جهة ويعكس أيضا قدرة حماس على التخفي.
* د.سعيد حارب : عند الحديث عن حجم القوة الهائلة التي تستخدمها إسرائيل في عدوانها على غزة تبرز إلى الذهن المقارنة بما يحدث الآن وما حدث في حرب يوليو 2006 في لبنان حيث استخدمت إسرائيل سلاح الطيران بشكل مكثف وكبير ولكن القوة اللبنانية المقابلة للقوات الإسرائيلية كانت اكبر من حجم القوة الفلسطينية فقوات حزب الله اكبر من قوة حماس بالإضافة للامتداد الطبيعي للمقاومة اللبنانية جغرافيا وشعبيا فالمقارنة هنا غير دقيقة ، ومن ناحية ثانية فربما لدى حماس كما يعلنون القدرة على التعامل مع الهجوم البري ولكن ما يعقد الأمر الحجم الهائل من القصف الذي تقوم به الطائرات الإسرائيلية.
وحجم القوة المفرطة للعدوان الإسرائيلي ليس القصد منه تدمير البنية الأساسية لحماس وان كان هذا هو الهدف المعلن وإنما هناك محاولة لحمل الشعب في غزة على نفض يده من حماس على اعتبار أنها هي التي ساقت عليه هذه الويلات حسب الادعاءات الصهيونية وقد اطلعت مؤخرا على تقارير بعض الصحف وتحليلات بعض الخبراء الأميركيين والفرنسيين تشير إلى أن إسرائيل استعجلت في ضرب غزة لأسباب سياسية.
والمشكلة انه ليس هناك خطة إسرائيلية واضحة للخروج من غزة فأهداف الغزو غير معروفة فيما إذا كانت إعادة احتلال غزة مرة أخرى أو ضرب مراكز حماس والعودة أو الاستمرار في ضرب البنية التحتية والى متى والى أين ؟ فتصريحات قادة العدو الإسرائيلي مثل باراك وليفني ليست كلها على نسق واحد وهذا هو السبب الذي يدفع الكثيرين للوقوع في إشكاليات ما يحدث.
* د.صالح سليمان عبد العظيم : أتمنى أن نكون إجرائيين في هذه الندوة بحيث نخرج بنتائج مفيدة وعملية وتساند ما يحدث في غزة فنحن كمثقفين ومفكرين يجب أن نقوم بدورنا في هذا المجال وان نرصد نوعية الأسلحة المستخدمة فيجب أن يعرف الجميع عبر مواقع الانترنيت والإعلام عن استخدام قنابل الأعماق الارتجاجية التي يتم ضرب غزة بها فعلينا نقل الصورة من الداخل إلى الخارج لأنه يمكن أن يلعب دورا كبيرا فيما يجري هناك حتى لا تتحول الأمور في النهاية إلى نوع من الشجب والإدانة فقط خاصة عند الحديث عن حجم العنف الذي تمارسه القوات الإسرائيلية ضد غزة.
غايات العدوان
* د.علي قاسم الشعيبي : حقيقة كنت أفضل قبل أن نبدأ بالمحور الأول أن نتحدث عن المحور الثاني والخاص بالأهداف الإسرائيلية من وراء عدوانها على غزة لأنه بالنسبة لي هو الأهم لأننا نريد أن نعرف لماذا هذا العدوان أساسا وعلاقته بالمنظومة الإقليمية والدولية وهل هناك أطراف عربية مستفيدة من هذا العدوان؟ وهل هناك إقليمية تغذي هذا العدوان ؟
وهل هناك أطراف دولية ربما تشمت بهذا العدوان ؟ فهذا العدوان كما استنتجنا وقرأنا خلال الأيام الماضية هو عبارة عن محاولة لإرسال رسالة تكسير عظم لحماس أساسا ومن ثم للأنظمة العربية الأخرى ، فالهجوم على غزة حاليا متركز في الجو والبحر وربما في الأيام القادمة تقوم القوات الإسرائيلية بزحف بري على غزة حيث إن حماس والمقاومة الفلسطينية تتمنى ذلك باعتبار أن المعركة عندما تكون على الأرض هي اقرب في القدرة على المواجهة ولا تكون للطيران اليد الطولى عند ذلك ، خصوصا وأننا نتحدث عن شريط ضيق وذي كثافة سكانية عالية.
تصدير الأزمة
* د. محمد المطوع : الملاحظ أن محرقة غزة جاءت بعد فترة شعر الناس فيها بالتفاؤل بحل القضية الفلسطينية وكلنا يتذكر تنشيط المبادرة العربية والحديث عن أولويات الرئيس الأميركي المنتخب بارك اوباما بشأن حل الصراع في الشرق الأوسط بالإضافة للحديث عن المفاوضات السورية الإسرائيلية.
لكن من الملاحظ أيضا أن إسرائيل عندها أزمة داخلية وهي تريد تصدير هذه الأزمة للخارج وتسكير الأبواب على كل محادثات السلام وبالفعل هذا ما حدث حيث كان أول قرار اتخذه السوريون هو إيقاف المحادثات غير المباشرة مع الإسرائيليين ، كما تصاعد للأسف الخلاف الفلسطيني ؟ الفلسطيني ، والإشكالية أن ضحايا قطاع غزة هم في أغلبيتهم من اللاجئين وكأن احد أهداف إسرائيل هو القضاء على ما تبقى من الشعب الفلسطيني الذي هاجر إلى هناك بعد عام 1948.
* د.نشأت الأقطش: إن الأهداف المعلنة للعدوان على غزة هي تغيير الواقع على الأرض ، وخلال الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة كنت مستشارا لحركة حماس وقد سألني آنذاك بعض الصحافيين الأجانب عن ضرورة اعتراف حماس بإسرائيل فقلت له وما هي الضمانات لو اعترفت حماس بإسرائيل أن لا يطلب منها في اليوم الثاني تقديم تنازلات أخرى؟ وهل هناك خطوة للأمام من إسرائيل ؟ فكان ردهم لا.
فقلت لهم إن معنى ذلك تكرار ما حدث مع ياسر عرفات مع حركة حماس فعرفات انتقل في أوسلو من حمل البندقية إلى حمل راية السلام ووقع اتفاقا مذلا يشمل في احد بنوده محاربة البنية التحتية للإرهاب وقد قام عرفات بكل ما طلب منه ولكن إسرائيل كانت تبحث عن طريقة لإفشال السلام فكانت زيارة شارون للمسجد الأقصى. لذلك فان كل ما يقال إسرائيليا علنا ليس صحيحا.
فالأهداف الحقيقية ليست تدمير حماس ، وبالتالي فان هدف إسرائيل الحقيقي من هذه الحرب هو اعتراف حماس بإسرائيل والتوصل إلى هدنة معها ، والهدنة لها قصة مع الإسرائيليين فقد بدأت أول هدنة بين حماس وإسرائيل عام 2003 في ظل وجود قائدها الأول عبد العزيز الرنتيسي ، ومن هنا دخلت حماس في السياسة وكان دخولها خاطئا وكان لبعض الدول الصديقة والعربية دورها في جر حماس لهذه الهدنة والمطلوب الآن العودة لمثل تلك الهدنة.
لان الهدنة تعني تكبيل المقاومة الفلسطينية لكي لا تضرب العمق الإسرائيلي فالعمليات الاستشهادية تشكل عبئا على الإسرائيليين فحسب أرقام وزارة الخارجية الإسرائيلية وبعد عام من انتفاضة الأقصى كان عدد العمليات الاستشهادية 26 عملية فيما وصل عدد اليهود من حملة الجنسيات المزدوجة الذين تركوا إسرائيل مليون شخص فيما وصل مجموع العمليات الاستشهادية 56 عملية وكانت كفيلة بهز الكيان الإسرائيلي من داخله.
والآن التلويح بالعودة لها يعني الكثير وما يفسر الإفراط الإسرائيلي في استخدام القوة هو للضغط على حماس بقبول الهدنة ولكن أول رد لحماس كان على لسان إسماعيل هنية بأنه لن تسمعوا منا موقفا يسركم والموقف الذي يسر إسرائيل هو التهدئة فهي تريد التهدئة دون سلام لان السلام عليه استحقاقات مثل الانسحاب وإسرائيل غير جاهزة أو ناضجة للانسحاب فإسرائيل تريد هذا النوع من التهدئة مع إبقاء حماس كقوة تخيف الإسرائيليين للاستفادة من هذه الورقة فالدعاية والسياسة الإستراتيجية قامت تاريخيا على الخوف من الآخر والانكماش على الذات فهم يريدون بقاء عامل الخوف من حماس ولكن بشرط تكبيل حماس. والعالم اليوم كله يسكت على ضرب غزة فاكبر بيان خرج من الأوروبيين كان يعبر عن شعورهم بالقلق بسبب الحرب.
الخطورة فيما يحدث في غزة هو الصراع الداخلي ، ولكنه في الحقيقة ليس صراعا داخليا فلو وقفت فتح ضد حماس لاستمرت الحرب الأهلية لأمد طويل فمن وقف في الصراع الداخلي طرفان هما رؤية أوسلو والتي تريد تسوية سياسية بأي ثمن بما فيه التنازل عن حق العودة وتعويض اللاجئين ودولة منزوعة السلاح مقابل رؤية المقاومة بقيادة حركة حماس الرافضة للتسوية وقد وصل الفريقان للصدام ولم يكن لهما أي احتمال للقاء لأنه إما أن تتنازل حماس وتعترف بإسرائيل أو يتراجع محمود عباس عن التسوية وهذا ما لن يكون. فرؤية التسوية هي التي تتصارع مع رؤية المقاومة ، والقصف الإسرائيلي لغزة هو لتقوية طرف التسوية ضد طرف المقاومة لتركيعه وإجباره على التهدئة أيضا ، وبالتالي إذا ما تم القضاء على حماس وهو أمر وارد فسوف تحل القضية الفلسطينية بالطريقة الأميركية وحسب المقاس الإسرائيلي.
موسمان للانتخابات
* د. سعيد حارب : صحيح كما تفضل الإخوة أن هناك أهدافا معلنة وأخرى غير معلنة للعدوان على غزة ولكنني سأركز على الأهداف السياسية فهناك موسمان قادمان للانتخابات واحدة في أراضي السلطة الفلسطينية والثانية في الكيان الإسرائيلي والتي يتنافس فيها ثلاث قوى رئيسية هي الليكود والعمل وكاديما والكل يزايد خاصة الفريقين اللذين في السلطة بزعامة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ووزير الحرب أيهود باراك
وبالتالي يريد أن يثبت الطرفان أنهما قادران على قيادة إسرائيل في المرحلة القادمة وكذلك يريد أن يغادر رئيس الوزراء أيهود اولمرت السلطة ويقول للإسرائيليين بأنه خرج وقد قضى على حماس حتى يخفف من صورته المطبوعة عنه في أذهان الإسرائيليين في قضايا الفساد ، وتريد ليفني القادمة الجديدة أن تعطي رسالة بأنها قادرة على حماية الإسرائيليين باعتبارها قادمة من جهاز المخابرات فيما يمني باراك نفسه بالعودة لرئاسة الوزراء
وهذا ما أشارت إليه استطلاعات الرأي الأخيرة حيث ارتفع عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها حزب العمل ما بين 20 و25 مقعدا مع انه قبل الأحداث لم تزد عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها عن 11 مقعدا ،.وإذن فان موسم الانتخابات الإسرائيلية هو احد الدوافع الرئيسة للعدوان على غزة. من ناحية ثانية فانه في التاسع من يناير الحالي ستنتهي فترة رئاسة محمود عباس وحماس ترفض بشكل مباشر التمديد له
وهنا تخشى إسرائيل من وجود فراغ دستوري في الضفة الغربية فيحصل ما حصل في غزة وتتكرر تجربة الحسم التي حصلت في غزة وتسيطر حماس على الضفة الغربية خاصة وان الدستور الفلسطيني ينص على تولي رئيس المجلس التشريعي رئاسة السلطة في حالة غياب الرئيس ورئيس المجلس التشريعي ونائبه هما من حركة حماس.
والمبرر الثالث للعدوان على غزة هو وجود اتجاه بشكل عام لتحجيم حماس ذلك لان حماس تشكل ظاهرة مؤثرة في المنطقة العربية وخاصة أن معظم الناس مع المقاومة ففكرة مقاومة العدو الصهيوني هي فكرة راسخة في العقلية العربية ومن يتبناها يجد المساندة ونحن نعلم أيضا أن هناك داخل فتح من يتبنى المقاومة. أما المبرر الرابع لضرب غزة فهو قدوم إدارة أميركية جديدة وهي الراعي الأكبر في المنطقة ونحن نعلم أن باراك اوباما لن يغير شيئا في وضع إسرائيل ومكانتها لديه
فإسرائيل بالنسبة له مبدأ وعقيدة غير قابلة للتفاوض خاصة وان وزيرة خارجيته القادمة ؟هيلاري كلينتون- هي أكثر تشددا منه بالنسبة لإسرائيل. ولكن بما أن اوباما جاء وهو يحمل شعار التغيير وبما لدى الديمقراطيين من مناورة ، لذلك فان الإسرائيليين يريدوا أن ينقلوا الحالة الفلسطينية إلى موقع جديد وحالة جديدة وان على اوباما التعامل مع هذا التغيير الذي أحدثوه على الأرض.
إبادة
حمم مفتوحة
أكثر من 650 شهيدا وأكثر من 3000 جريح فلسطيني سقطوا حتى الآن في العدوان الصهيوني المستمر على قطاع غزة والذي أسفر كذلك عن تدمير معظم المقار الأمنية في غزة كما استهدفت الطائرات والسفن الحربية الصهيونية البنية التحتية في القطاع بما في ذلك المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والمنازل مما لا يدع مجالا للشك أن أهداف العدوان تتعدى وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المواقع والمدن الإسرائيلية لتغيير الواقع على ارض غزة ومسح وجود حماس كما أعلن القادة السياسيون والعسكريون في إسرائيل.
وحدة الدراسات في «البيان»عقدت ندوة بعنوان:
«مجزرة غزة : الأبعاد والنتائج المحتملة»
وقد وجهنا الدعوة لعد د من الأكاديميين والمحللين السياسيين وذلك لمناقشة الوضع في قطاع غزة على اثر العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة والنتائج المحتملة التي ستسفر عنه ، وذلك وفق المحاور التالية:
*المحور الأول: حجم العدوان الصهيوني على غزة والأدوات المستخدمة فيه.
*المحور الثاني : الأهداف الحقيقية للعدوان الإسرائيلي والتصريحات الصهيونية بهذا الخصوص.
*المحور الثالث : ردود الفعل المحلية والعربية والدولية على العدوان الإسرائيلي.
المشاركون في الندوة
د.سعيد حارب /جامعة الإمارات
د.علي قاسم الشعيبي /خبير إعلامي
د.نشأت الأقطش /جامعة الشارقة
د.صالح سليمان عبد العظيم /أستاذ جامعي
أدار الندوة:
أ.د محمد عبد الله المطوع
الإعداد والتحرير:
موسى أبو عيد
تصوير :مصطفى الأميري



