استيقظت في ظلمة تلك الليلة عطشان أبحث عن قطرات الماء وبهدوء تام خرجت من غرفتي، سمعت أصواتاً في غرفة المعيشة خفت واختبأت.. بأفكاري البسيطة ظننت أنها جان أو ما شابه من هذا القبيل لأن الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً، لم اعتقد أن أحداً في المنزل مستيقظ.. بعد التركيز عرفت بأنه صوت التلفاز.. ضحكت من نفسي.. يا لسذاجتي! أمن تلفاز خفت.. أمسكت مقبض الباب وهممت بالدخول ولكن منعني صوت والدي.. لم أكن أريد أن استرق السمع عليهم وفي الوقت ذاته شدني حديثهم.
آه.. كم يعني لي ذلك المكان وطناً جريحاً، غادرناه وحتى اليوم لم يتغير شيء أصوات المدافع تدوي في كل مكان وأشلاء الصغار تنتشر هنا وهناك ما ذنبهم؟ أذَنبُهم أنهم فلسطينيون ولدوا على تلك الأرض ما ذنب تلك المساجد التي هدمت والمصاحف التي مزقت ورميت..
صدقتِ يا أم خالد الألم مثل الألم و الآه من أفواه هؤلاء الأيتام والنسوة والشيوخ تنتشر، ليتنا ما غادرنا وليتنا ما تركنا ارض بلادنا خرجنا لنشعر بالأمان ولنحمي خالد ولكني أتمنى أن أعود وأدافع عن بلادي وأن أكون شهيدا وليس متغربا لا يعرف متى سيعود ويشعر بالأمان، لليوم اذكر اليوم الذي ودعنا بلادنا وودعنا ولدنا الشهيد احمد، خرجا ليلعبا هو وخالد أمام باب المنزل عندما بدأت مدافع اليهود بقذف القنابل وبدأت النيران بالاشتعال، حمى جسد أخيه وراح هو ضحية لذلك القصف المستبد وشظايا النيران التي شوهت جسده ومسحت ملامح طفولته البريئة.
ابتعدت عن الباب وسمعت صوت بكاء والدتي وأبي يدعوها لأن تهدأ وتدعو له، دموعي ملأت عيني، كيف لهذه الذاكرة أن تنسى ان لي أخاً شهيداً، لم اذكر حتى ذلك الموقف الذي حدث، لي أخ شهيد وأنا من صوت تلفاز خفت، أمسكت الباب ودخلت ..
دموعي ملأت عيني وقفت أمامهما لماذا يا والدي لما لم تتركاني لأستشهد مثلما حل بأخي، الآن فقط شعرت بالغربة والعيش بلا معنى، أعيدوني للأرض التي انتميت لها أعيدوني أدافع عن ارض بلادي لأشم حفنة من ترابها .. أعيدوني فلم أعد ذلك الطفل الذي تخافون عليه.. فالموت قادم لا محالة منه لكنه إن يكن في بلادي وفي سبيل إسلامي فهو الأفضل .. أعيدوني لألتقي بأخي في الجنة.
أمسكت يد أبي وعيني امتلأت بالدموع، أبت هلمّ بنا فالآخرة وحور العين وبلادي خير من أن نجلس كالأغراب ليس لنا غير الحياة التي تحفها كلمة الذل وصوت العالم العربي المبحوح.
مريم سالم القايدي
