كلمات تقذف من حناجر غاضبة، ومن داخل القلوب الحزينة المليئة بالأزمات والحيرة والقهر، وآهات تخرج من أفواه تعاني من شدة الألم.. لم يكن يجول بخاطري الاختباء ولم يخطر بذهني الخوف والاختباء من جنود الاحتلال الذين قدموا إلى منزلنا كما اللصوص وبحثوا عن شيء لا اعرف ما هو فهم لصوص وطبيعتهم السرقة والقتل والنهب والترحيل لكل من يقول لهم لا؟

ذهبت وتركت عائلتي غارقة بالدماء وخرجت على سطح المنزل حتى لا يراني عدو الله ويجهزوا علي كما فعلوا في أهلي..

ووقفت خلف الجدار الذي كنت دائما العب أنا وشقيقتي رحمها الله بجانبه لأختبئ من العدو ليس لأنني أخاف منهم، بل لأنني سأبقي على حياتي كي انتقم لكل الشهداء ولأهلي وكل طفل استشهد على ارض فلسطين الطاهرة... انتظرت وأنا أتمنى من الله ألا يعلموا مكاني..وفعلا بعد حركة دامت دقائق معدودة غادر الجنود «الشياطين» وعدت إلى بحر الدماء الذي غطى جميع أهلي..والحسرة تزداد والروح تنتظر الشهادة ..

وجاء الصباح وخرجت مع أهل المدينة لنرى المصائب، والشهداء الذين تناثرت أشلاؤهم يمينا وشمالا وكثرت أصوات سيارات الإسعاف تنقل الجرحى والشهداء إلى المستشفيات التي طرقها العدو بصواريخه الشيطانية التي لم ترحم الأطفال والشيوخ.. فوجدت نفسي اقل الناس بلاء، واشتد الجرح حين رأيت الأطفال وأشلاء الشهداء في شوارع المدينة.

كان هذا دافعا لي كي أكون أكثر اهتماما للانتقام لأهلي والأطفال ورفعت يدي إلى الله، وإذا بمهند يقترب مني وهو صديق عزيز لأخي مصطفى رحمه الله، وسألني عن شقيقي.. أين مصطفى يا احمد لم أره في الصباح وأين والداك لم يخرجا إلى الشارع فالأمر خطير يجب أن يخرجوا حتى لا تصيبهم قنابل الاحتلال.

- لقد خرجوا جميعهم ومعهم مصطفى إلى السماء، لأنهم استشهدوا جميعهم ولم يبق إلا أنا.

- لا حول ولا قوة إلا بالله، أبارك استشهادهم يا احمد إنهم في جنة الخلد الآن وهذا ما قاله الله لنا نحن الشهداء والمجاهدين في سبيله...

- نعم لقد ماتوا جميعا ولم يبق سوى الجهاد، وهذا ما علمني إياه والدي وكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته.

لم استطع حينها كتم دموعي التي فاضت من حزني لفراق الأهل ولكن هذا لم يمنعني عن دفع كل قواي لكي انتقم من الصهاينة.

حينها بدأت أفكر كيف انتقم للأطفال والشهداء ولأهلي ..وذهبت الى منزل عمي لأراهم ولكي أبقى عند عمي ..وعندما وصلت قلت لعمي ان والدي وأمي وأشقائي استشهدوا جميعهم ...

والمفاجأة ان عمي وقع على الأرض وأجهش بالبكاء بطريقة تدل على القهر والحسرة والذل الذي وصل إليه العالم لصمته على تلك المجازر.

وأي مجازر ارتكبت في حق هذا الشعب الذي بارك الله فيه، وأي صواريخ تلك التي تقذف على أطفاله.

هل هي نهاية العالم قد حانت كما وعدنا الله ورسوله، أم هل هو الذل؟

أمسكت بعدها بيد عمي وقلت له.. عهدا أقطعه على نفسي يا عماه أمام الله وأمامك بأن انتقم لكل شبر في فلسطين ولن يهدأ البال الى ان تحرر بدمائنا وأشلائنا وأشلاء أبنائنا.

نحن شعب قدره بأن يكون منه المجاهدون والمرابطون والشهداء فلن نخذل الله العهد ولن نحيد يوما ..فأطفالنا هم صواريخنا وشبابنا هم سياج مدينتنا ووطننا وشيوخنا هم أعزتنا وأهلنا ...وشهداؤنا هم القدوة لنا، وهم الشموع التي نهتدي بها نحو الخلود.

ولا شك أن الله سيحاسب كل من كان مسؤولاً عن كل دمعة سفحتها انا و غيري من أبناء الشعب الفلسطيني.

عبدالرحمن الوهيبي