تربية الأبناء من المهام الثقيلة التي يجب أن يقوم بها الوالدان خير قيام، ولكن هناك من يغفل عن القيام بهذه المهمة، بالتقصير أو عدم الفراغ وينسون الحديث الشريف الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجميع لأن يقوموا بدورهم في رعاية من يعولون «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

ويقول الإمام علي كرم الله وجهه «لا تربوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم»، ويدل ذلك على تطور الزمن وما ينفع الآباء في زمنهم قد لا ينفع آبناءهم ولا ينفع أحفادهم في المستقبل، كما يقلل من المشكلات التي تحدث في البيوت والصراعات التي تحدث بسبب إرغام الأبناء على أشياء لا يريدونها.

ونبقى مع الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي أستاذ علم النفس الذي يرى أن تربية الأبناء ليست أمراً سهلاً لأنها تتعلق بتكوين الإنسان. ويجيب الدكتور المهدي عن سؤال ملح دائما ما يتردد بين الناس وهو متى يبدأ الآباء تقويم سلوك أبنائهم؟

ويقول إن علماء النفس اختلفوا في تقويم الزمن الذي يبدأ فيه الأبوان تربية أبنائهم، فهناك من ذهب إلى أن التربية منذ الولادة، وآخرين قالوا منذ فترة الحمل، وآخرين ذهبوا إلى أنها تبدأ مع لحظة الاختيار وأسس الاختيار بين الزوجين أي منذ فترة الخطوبة والصفات التي أعجبت كل طرف في الطرف الآخر هي القاعدة التربوية للطفل، ومن هنا فقد ركز علماء النفس على أهمية السنوات الأولى من عمر الطفل، وأكد بعضهم أن السنوات الخمس الأولى توضع فيها الملامح الأساسية لشخصية الطفل وأن كل ما يأتي بعد ذلك مجرد إضافات وتحسينات.

وفى رأي الدكتور عبد الفتاح المهدي فإن الأكثر منطقية هو أن الإنسان يظل قابلاً للتربية حتى أخر لحظة في حياته، ويظل يعدل من سلوكه وهذا هو أقرب للمفهوم الإسلامي، الذي يجعل الإنسان مسؤولا عن حياته وسلوكه، وليس مقيداً بما حدث له في السنوات الخمس الأولى فقط، وبالتالي تقع المسؤولية كاملة على الأب والأم.

ويعرض الدكتور عبد الفتاح المهدي نموذجين من النماذج التربوية النبوية، النموذج الأول: هو سيدنا نوح مع ابنه والتي لخصها القرآن الكريم في حوار مركز وبسيط، وهو أن سيدنا نوحاً عندما علم أن الطوفان آتٍ وأن ابنه سيهلك مع الكافرين قال «يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ» (هود: 42)، ويردّ الابن: «سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ» (هود: 43)، فيحذره أبوه قائلاً: «لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» (هود: 43)، ورغم هذا يصر الابن على موقفه.

أما النموذج الآخر فهو خاص بحوار سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل، عندما رأى في المنام أنه يذبحه، ولكن لم يذهب سيدنا إبراهيم وينفذ أمر الله مباشرة، لكن دار حوار بينه وبين ابنه وقال «قَالَ يَا بُنَيَّ إني أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى»، فكان هناك فرصة للأخذ والرد، وهنا تظهر إرادة الابن في هذا الفعل واقتناعه به.

tantawi2007@gmail.com

السيد الطنطاوي