قال الشيخ: من طبيعة البلاء عندما يحل بفرد أو بأمة أن يورثها الذل والاستكانة، والضعف والمهانة، والإحباط والشلل، وانحباس الصوت والعزوف عن العمل، ولكن الله عز وجل أراد لنا غير ذلك فما دامت الروح لم تفارق الجسد هناك أمل، وهناك عمل، وهناك بداية جديدة، وهناك مراجعة رشيدة، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)).
وعلى هذا فإن البلاء الذي عم الأرض اليوم من أزمة غذاء إلى أزمة مال، ومن ظلم سياسي وطغيان عسكري، يجب ألا يوصل المؤمن إلى مشارف اليأس أو الاستسلام للإحباط فإنه لا ييأس من روح الله إلا من لم يعرف قدره. يقول الله عز وجل ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)) آل عمران 139، ويقول عز من قائل: ((وللهِ العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)) المنافقون 8.
فالمؤمن بالله مالك ما في السموات والأرض لا يستعبده أحد مهما طغى، ولا شيء من الشهوات والهوى، وهو لا يعيش في أقفاص الأسباب الأرضية الضيقة الخانقة، لأن صلته بخالق هذه الأسباب والقادر على تفعيلها أو إيقافها أو تجاوزها، وإن تملكنا هذا اليقين لم نذل لأحد أفراداً وجماعات مهما كانت الحوادث والطامات. إن أكثر ما يشين المبتلى اكتئابه وانسحابه، وإحساسه بأنه أقل من أن يكون له فعل أو قول، وكثيراً ما يدفعه هذا إلى اليأس فالقنوط فالنهاية، على مستوى الدور الذي يجب أن يقوم به أو الفعل الذي يعف به نفسه وأهله ويعز أمته ومواطنيه، أو النهاية بالإجهاز على النفس والانتحار والعياذ بالله.
من هنا نحن اليوم أكثر من مليار مسلم ولكننا في الميزان الحضاري كغثاء السيل، أي ما يعلو السيل مما خف وزنه، فهو يتحرك بحركة السيل لا بحركته هو. أنت مؤمن إذن فأنت عزيز وليس لك مكان في مهاوي الذل، هذا ما ينص عليه القرآن الكريم... ومعجزة الإسلام وانتشاره في أصقاع الأرض خلال أقل من أربعين عاماً صنعها أناس مبتلون بالفقر والندرة والحصار.
كان الرسول الأعظم في مكة مستضعفاً ولكنه كان عزيزاً، وكان من حوله من المستضعفين مبتلين بالتعذيب ومحاولات الإذلال ومع ذلك كانوا أعزاء، وحوصر النبي الأعظم وصحبه في شعب أبي طالب لا يبيعون ولا يشترون وينامون ويستيقظون على الجوع ثلاث سنوات وكانوا أعزاء، وعندما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مطارداً في طريق هجرته مع صاحبه أبي بكر ولحق به سراقة بن مالك وقف عليه السلام بكل عزة ووعد سراقة بسواري كسرى إن لم يخبر قريش بأمره وقد تحقق ذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أكثر غزوات الرسول الأعظم كان فيها المسلمون أقل عدة وعدداً ومع ذلك انتصروا على أعدائهم رافعين بعز راية الإسلام، وعندما أرسل الرسول الأعظم رسله إلى ملوك العالم كانوا يدخلون بثيابهم الخفيفة شعثاً غبراً رافعي رؤوسهم محلقين بعزة الإسلام فوق العروش والديباج والسجد وحتى فوق رؤوس الملوك والأباطرة والوزراء وكبار القوم يبلغون الرسالة دون خوف أو إحساس بنقص.
تاريخ الأنبياء والرسل وسيرة الرسول الأعظم وحياة الصحابة والتابعين يغص بمواقف العزة مع أشد الابتلاءات، وهذا كلام ينطبق حتى على الأفراد ممن ابتلوا بعافيتهم أو أهليهم أو أموالهم، لم يدفعهم البلاء عندما كانوا مؤمنين حقاً إلى طأطأة الرأس أو الإحساس الحاد بالخسارة أو الهزيمة، فالإيمان خير ما يدعم الوقاية والمناعة الإيمانية ضد الانكسارات في الحياة، وهنا يجب أن نستثني المرضى النفسيين الذين يحتاجون لعناية طبية ونفسية خاصة، فما هم فيه لا يطعن في إيمانهم ولا تسليمهم ولعل الصبر على هذه الأمراض وأكثرها مزمن لا تطيقه إلا العزائم والهمم العالية
ماهر سقا أميني
