بدأ الرجل يهدد ويتوعد قائلاً بأن جميع أفراد الأجهزة الأمنية سيموتون خلال أربع وعشرين ساعة فقد طلب من الجان الأعظم أن ينتقم منهم.

ما حييت لن استطيع أن أنسى ذلك اليوم، عندما دخلت سيدة لا تكاد تقوى على الكلام وهي تقول للضابط بصوت خافت أرجوك لقد خطفوا ابني.. لقد أخذوه وسيقتلوه أرجوك يا سيدي ساعدني على استعادة ابني وإلا فلن أراه أبداً. ما كادت هذه السيدة الإفريقية تنهي هذه الجملة حتى سقطت على الأرض بدون كلام ولا حراك، فقد أفقدها الخوف على صغيرها كل حواسها.

البحث في المجهول

تم طلب سيارة إسعاف حيث حُملت السيدة إلى المستشفى وطلب الضابط من المستشفى إخباره في الحال عندما تعود إلى حالتها الطبيعية ليتم سؤالها عن ابنها الذي تقول بأنه اختطف لمعرفة من خطفه وأين اختطف وكل معلومة يمكن أن تساعد على عودة ابنها إليها. في هذه الأثناء طلب الضابط من الدوريات أن تتحرى عن طفل إفريقي «باعتبار أمه إفريقية» يمكن أن يكون في إحدى السيارات الخارجة من المدينة. ورغم أن الضابط كان يعرف جيداً بان هذه المعلومة المتواضعة لن تؤدي إلى إرجاع الطفل إلى أمه إلاّ أنه أراد أن يفعل شيئاً لعل وعسى.

بعد مضي نحو ثلاث ساعات تلقى الضابط اتصالاً من المستشفى يقول فيه بان السيدة الإفريقية قد بدأت تتكلم وهي تسأل عن ابنها. انطلق الضابط وفريق من البحث الجنائي إلى المستشفى حيث قالت السيدة إنها كانت تتسوق في أحد المراكز التجارية ومعها ابنها ولاحظت أن اثنين من الأفارقة يراقبونها بل ويتبعون خطواتها، فظنت في البداية انهما يحاولان معاكستها أو التعرف عليها، لذا ابتعدت عن طريقهما إلاّ أنها فوجئت بهما أمامها وجهاً لوجه في محل لبيع الملابس في نفس المركز التجاري.

وأضافت حاولت أن انشغل عنهما باختيار بعض الملابس فوجدت أحدهما يقترب من ابني ويعطيه قطعة من الحلوى ويطلب منه أن يأتي معه، لكنني طلبت من الرجل أن يبتعد عني وعن طفلي وإلاّ طلبت له الشرطة، فما كان منه إلاّ أن ابتعد هو ورفيقه، عندها شعرت بالطمأنينة ورجعت أبحث عن ملابس لي ولطفلي.

وعندما اخترت الملابس لطفلي بحثت عنه فلم أجده وبدأت أصرخ وأبحث عنه في كل مكان فلم أجده وعندما سألت بعض رجال الأمن الذين في المركز التجاري أخبروني بأنهم شاهدوا طفلاً بنفس أوصاف وملابس ابني مع رجلين إفريقيين يخرجان من المركز، وانهم لم يشكوا بان الطفل مختطف وذلك لأن الطفل كان يسير معهما بشكل طبيعي ويأكل بعض الحلوى ثم ان بشرة الطفل والرجلين واحدة فأي شخص ينظر إليهم سيتكهن بانه ابن لأحدهما.

سأل الضابط السيدة إن كانت تعرف الرجلين أو شاهدتهما من قبل فقالت لا ولكنها عندما تحدثت معهما في المركز التجاري تحدثت بنفس لغتها مما يعني أنهما من نفس بلادها التي تقع في وسط إفريقيا. قام الضابط بالاتصال بجهات مسؤولة في محاولة لحصر الأشخاص الذين ينتمون إلى تلك الدولة، كان الأمر صعباً ومع ذلك كانت مجرد محاولة لأنه حتى لو تم حصرهم فليس معلوم أين يسكنون. جاء الضابط بالسيدة إلى مكتبه وطلب منها وصف الرجلين وابنها وقام مهندسو الكمبيوتر برسم «اسكتش» لكل واحد منهم حتى أصبحت الرسوم متطابقة لهما.

تم توزيع الرسوم على جميع مداخل ومخارج المدينة إضافة إلى الطرقات الخارجية، كما تمت مراقبة هاتف السيدة لعل الخاطفين يتصلون لطلب فدية، عندها سيتم تحديد مكانهما والقبض عليهما. استمرت الفرق الأمنية في بحثها لكن شيئاً لم يظهر في الأفق يدل على مكان الطفل كما أن هاتف السيدة لم يتلق أي اتصال يطلب فدية أو أي شيء آخر.

اختفاء طفل آخر

بعد مرور نحو شهرين على اختفاء الطفل الإفريقي جاء والد طفل من الجنسية الآسيوية ليخبر عن اختفاء ابنه، حيث قال بانه كان مع ابنه أمام بيتهما، عندما تقدم منه رجلان إفريقيان وطلبا منه قنينة من الماء حيث دخل لإحضار القنينة وعندما عاد لم يجد الرجلين ولم يجد ابنه الذي لا يتجاوز عمره «3» سنوات رغم أن غيابه لإحضار الماء لم يتجاوز الدقيقتين، وأضاف الرجل بانه بحث عن ابنه في كل مكان ولم يجده.

طلب الضابط من الرجل أن يصف لمهندسي الكمبيوتر الرجلين حيث قاموا برسمهما ورسم الطفل، فكانت رسومات الرجلين في الحالتين الأولى والثانية متشابهة تماماً مما يعني أنهما يشكلان عصابة لاختطاف الأطفال. بدا الأمر خطيراً جداً وتم الإيعاز إلى أعلى الجهات بان تتحرك بسرعة كبيرة للقبض على العصابة قبل أن تنتشر الاخبار بين الناس وينتشر الرعب في كل مكان.

تم الإيعاز إلى الفنادق والشقق المفروشة للإبلاغ عن الرجلين في حالة رؤيتهما أو رؤية الطفلين، وبدأت الأجهزة الأمنية تحاول معرفة أين يسكن أبناء هذه الجالية من خلال تكثيف الزيارات إلى العمارات التي يسكن فيها الأجانب. تم التعرف على بعض الشقق كما تم استصدار أمر بتفتيش تلك الشقق، لكن التفتيش لم يُفض إلى أية نتيجة حيث تبين أن الأشخاص ليس لهم علاقة بالأمر كما انه تم عرضهم على المرأة الإفريقية والرجل الآسيوي وأفادا بأنهم ليسوا الشخصين المطلوبين.

كانت هذه العملية محرجة للجهات الأمنية فليس من المعقول أن يتم تفتيش جميع الشقق التي يسكن فيها أبناء تلك الدولة الإفريقية إضافة إلى ذلك فان العثور على تلك الشقق ليس بالأمر السهل، حيث إن أحدهم قد يسكن في هذه الشقة وينتقل إلى شقة أخرى أو حتى مدينة أخرى في نفس اليوم. في هذه الأثناء جاءت سيدة لتبلغ عن محاولة خطف ابنها من قبل شخصين إفريقيين عندما كان ابنها في طريقه إلى المدرسة، ولكن صراخها عندما اقترب منه الرجلان جعلهما يهربان.

هنا صدرت أوامر صارمة بمراقبة أبناء هذه الدولة الإفريقية وإحضارهم إلى مراكز الشرطة لاستجوابهم مع إصدار أوامر بعدم السماح لأي منهم من دخول البلاد حتى انتهاء التحقيق والوصول إلى العصابة. خلال استجواب أبناء تلك الجالية لم يدل أي منهم بمعلومات تفيد التحقيق، وأخيراً تم استخدام أداة الترغيب وهي دفع مبالغ مالية كبيرة لكل واحد من أبناء هذه الجالية يُدلي بمعلومات تفيد التحقيق، إلاّ أن أحداً منهم لم يقل شيئاً وكأن هناك اتفاقاً مسبقاً بينهم على التزام الصمت.

بدأت أخبار اختطاف الأطفال تتسرب إلى العامة وبدأت الإشاعات تروج عن اختطاف ثمانية وعشرة وعشرين طفلاً وبدأ كل شخص يروي قصة خاصة عن عمليات الاختطاف تلك، وقعت الأجهزة الأمنية في ورطة فهي لا تريد أن تكشف عن أخبار اختطاف الأطفال حتى لا تثير الهلع بين الناس من ناحية وحتى لا يتنبه أفراد العصابة بان الشرطة تبحث عنهم من ناحية ثانية، لذا فضلت ان تلتزم الصمت رغم الاعدد المبالغ فيها عن العصابة وعدد الأطفال المخطوفين.

لجأت الأجهزة الأمنية إلى استخدام الكلاب البوليسية بعد أن حصلت تلك الأجهزة على ملابس للطفلين المختطفين إلاّ أن تلك المحاولة باءت بالفشل فلم تتمكن الكلاب البوليسية من الوصول إلى شيء محدد. هنا لجأت الأجهزة الأمنية إلى الكلاب البوليسية الخاصة بالكشف عن المفقودين في أثناء الزلازل تحت الأرض وتم مسح مساحات كبيرة جداً من الأرض الفضاء إلاّ أن النتيجة كانت لا شيء.

تمت الاستعانة بالأجهزة التي تعمل بالأشعة للكشف عن أجسام تحت الأرض تكون العصابة قد دفنتهما إلاّ أن تلك الأجهزة لم تسجل شيئاً مما افقد الأجهزة الأمنية صوابها، فكل المحاولات التي تقوم بها لم تؤد إلى نتيجة وأصبح الرأي العام يضغط باتجاه كشف الحقيقة من خلال القصص الغريبة التي بات الجميع يتحدثها عن العصابة وعن الأطفال المخطوفين.

اللجوء إلى السجن

ما زاد الوضع تعقيداً أن إحدى محطات التلفزيون الخاصة قامت ببث تقرير من الشارع مباشرة حول الذعر الذي يملأ قلوب الناس على أطفالهم، وبدأت المذيعة تتحدث مع سيدات روين لها قصصاً غريبة عن تلك العصابة وأعمالها الإجرامية وبالطبع كانت تلك القصص من اختلاق الشارع الذي بات يضخم الأمور بشكل كبير، ليس هذا فقط بل إن الصحف غير الرسمية أخذت التقرير الذي بثته المحطة التلفزيونية الخاصة وأعادت صياغته بطريقتها مما زاد الأمر سوءاً.

هنا فكر الضابط المسؤول عن متابعة القضية في اللجوء إلى حيلة لعل وعسى، فهو يعرف أن عدداً من أبناء تلك الدولة الإفريقية موجودون في السجن، لذا طلب لقاء خمسة أشخاص حكم عليهم بالسجن لمدد طويلة. بعد دراسة ملفاتهم تبين أن اثنين حكم عليهما بالسجن لمدة «18» عاماً بتهمة ادخال مخدرات إلى البلاد. طلب الضابط لقاء الرجلين حيث قال لهما سوف اتكلم معكما بصراحة وهي انني أملك تفويضاً لتخفيف الحكم عنكما ان استطعتما مساعدتي في هذه القضية، ثم بدأ يشرح لهما قضية اختطاف الأطفال.

امتنع أحد الرجلين عن الحديث في حين تطوع الآخر وقال سوف أخبرك اين تجد الرجلين اللذين تبحث عنهما ولكن بعد أن توقع أمامي على نسختين من وثيقة بأنك ستخفف الحكم عني احتفظ بإحدى النسختين معي. قال له الضابط سأفعل ولكن أمهلني بعض الوقت قام الضابط بالاتصال بالجهات المسؤولة التي وافقت على العرض فوراً وفعلاً تم توقيع الوثيقة من الضابط ومدير السجن، وهنا قال الرجل خذوني معكم فسأدلكم أين توجد العصابة.

تم إخراج الرجل من السجن حيث أخذهم إلى أحد البيوت البعيدة والمهجورة وأشار لرجال الأمن بأن العصابة توجد في هذا البيت. تم تسليط كاميرات مراقبة على البيت كما أن أحد رجال الأمن تمكن من الاقتراب من البيت ووضع جهازا للتجسس. أصبح ما يجري في البيت من صوت وصورة مكشوفاً لرجال الأمن، وفي ساعة الصفر بعد أن تجمع أفراد العصابة وكان عددهم أربعة تمت مهاجمة البيت.

كانت الأوامر تقضي بعدم وقوع أي خطأ وعدم السماح لأي من أفراد العصابة بالفرار لذا تم تجنيد أكثر من عدد هائل من المخبرين ورجال الأمن وأكثر من «30» كلباً بوليسياً. في خلال دقائق كانت فرقة الأمن الخاصة قد اقتحمت البيت لكنها واجهت مقاومة عنيفة فقد استخدم بعض أفراد العصابة السيوف في حين استخدم أحدهم مسدساً. ورغم وقوع إصابات بين رجال الأمن إلاّ أنه تم السيطرة على الموقف، كان رجال الأمن باستطاعتهم القضاء على أفراد العصابة وقتلهم في ثوانٍ إلاّ أن التعليمات كانت تقضي بالقبض عليهم أحياء للتحقيق معهم ومعرفة مصير الطفلين المختطفين.

تم تفتيش البيت حيث وجدت بعض الملابس وعليها بقع دماء. تم إرسال تلك الملابس إلى المختبر الجنائي الذي قال بان هذه دماء بشرية، كما تم تحليل الـ «خء» لمقارنتها مع ذوي الطفلين المختطفين. كانت التعليمات ان تجري التحقيقات بشكل سريع ومستمر حتى يعترفوا بكل شيء، وكان التحقيق مع كل واحد من أفراد العصابة يجري في غرفة منفصلة، كانت الأوامر تقضي بان لا يأتي الصباح إلاّ والأمور قد تكشفت وتمت معرفة مصير الطفلين.

وأخيراً تحدث كبيرهم حيث قال بان عصابته هي التي اختطفت الطفلين وانه قتلهما بنفسه لاستخدام جلودهما في أعمال السحر وتقديم القرابين حيث إن السحر يقول بان وجود جلود ثلاثة أطفال ولفها بأوراق بحجم النقود وتقديم أجسام الأطفال قرباناً للساحر العظيم فان هذه الأوراق العارية تتحول بفعل السحر وقوة «الساحر العظيم» إلى أوراق نقدية حقيقية.

وتابع كبيرهم قائلاً لقد حصلنا على جلد طفلين ونحن بحاجة إلى جلد طفل ثالث ولهذا حاولنا جهدنا أن نحصل على طفل ثالث مهما كانت النتائج فقد كان «الساحر العظيم» الموجود في إفريقيا يُلح علينا في الطلب وإتمام تقديم القرابين الثلاثة بأسرع وقت ممكن وإلاّ فانه سيعاقبنا بان يسلخ جلودنا ولهذا كنا نسارع لإخباره بان كل شيء تم وفق تعليماته. قام رجال الأمن باصطحابه إلى البيت حيث أرشدهم إلى جلدي الطفلين وكانت الجثتان محفوظتين في حوض داخل الحمام.

طلب الضابط من كبيرهم أن يكتب رسالة نصية قصيرة «ٍََّّ» إلى الساحر العظيم يطلب منه الحضور ليقوم بكل شيء بنفسه بعد أن تم جمع جلود ثلاثة أطفال. خلال أقل من أسبوع كان «الساحر العظيم» في المطار ينتظر دورة في الدخول حيث قام رجال الأمن بالقبض عليه وإحضاره إلى السجن، تعرف أفراد العصابة على «الساحر العظيم» الذي هدد وتوعد بان جميع أفراد الأجهزة الأمنية سيموتون خلال أربع وعشرين ساعة لأنه سيطلب من «الجان الأعظم» الانتقام منهم.

بدأ «الساحر العظيم» يتمتم ويقرأ ويزمجر، وهنا تقدم منه الضابط وقال له إن كان الجان الأعظم في خدمتك فاطلب منه أن يخرجك من السجن. عند تفتيش جيوبه وجد معه لفافة تم ارسالها إلى المختبر الجنائي حيث أفاد المختبر بأنها عبارة عن جلد لإنسان بالغ وان مساحتها الكلية تساوي نحو «15» قدماً مربعاً في أثناء التحقيق معه اعترف الساحر العظيم بانه يقوم بسلخ جلود البشر من أجل تقديمها قرابين إلى آلهته. تم تقديم أفراد العصابة ومعهم «الساحر العظيم» إلى المحكمة بتهمة القتل وممارسة السحر الأسود والخطف وترويع المجتمع، كما تم تقديم التماس إلى المحكمة لتخفيف الحكم على الشخص الذي أرشد عن أفراد العصابة.

إعداد ـ أحمد سلطان