التصقت عيناها في تتبع أشعة الشمس المتناثرة في أركان الغرفة. بينما كانت ترضع طفلتها التي أنجبتها حديثا وهي تهزها بين يديها بقوة، كانت في ذلك الوقت أسيرة التأمل والتفكير الصامت، لم تكن تلقي بالاً لما تفعله حتى دخل عليها زوجها سالم مبتسما ليأخذ طفلته «موزة» من حجرها ويحملها، إلا أن مريم لم تكف عن هزها حجرها رغم حمله الطفلة، حيث أخذ يسألها عن الذي أصابها، دون أن يحصل منها على أية إجابة واضحة... مريم، مريم حبيبتي أجيبيني !... ماذا أصابك؟
وهي في تلك اللحظة في عالم آخر ولا تكف عن تحريك رجليها، وأخذت تزيد في حركة هزها وتردد بيتا شعريا مرارا وتكرارا «عقب البصل والحوه .. شوف الدهر وش سوى». وأثناء ذلك كان يخرج اللعاب تباعا من حلقها بصورة لا إرادية كأنها فقدت عقلها. تفاجأ سالم من حالتها ويئس من مناداتها، وبدأ الخوف والقلق يدبان في نفسه عمّا أصاب زوجته النفساء وابنته الرضيعة التي تبكي دون توقف... لا يعرف ما يفعل؟ .. أيبقى معهما أم يخرج ويتركهما في هذا الوضع لوحدهما مدة طويلة والخروج لإحضار أهلهما إلى منزله الذي يبعد مسافة بعيدة عن منزلهما الكائن في منطقة أخرى.
إلا أنه اضطر لفعل ذلك وترك ابنته في عهدة أمها حتى وقت عودته، ظناً منه أن قلب الأم لا يمكنه إلا أن يحن، وعزم على الذهاب والتوكل على الله والإسراع في طلب المساعدة لمعرفة ما حل بزوجته.. تأخر أكثر من أربع ساعات وفي ذلك الوقت أحضر والدته ووالدتها ووالدها وأخيها الصغير للإقامة معه حتى معالجة زوجته. فعندما وصلوا وجدوها على نفس الحالة التي وصفها لهم سالم تخرج اللعاب من فمها والدموع تسيل على وجنتيها دون كلمة أو صوت منها.
في ذلك الوقت كانت الرضيعة مزرقة من كثر البكاء، فتم أخذ مريم في حجرة منعزلة وإشعال موقد حار وتغطيتها بلحاف ثقيل حتى تتعرق ظناً منهم بأنها أصيبت بحمى النفاس، غير أنها بقيت على هذه الحال أكثر من 3 أشهر دون أن تشفى من علتها. خلال ذلك أحضروا لها المطوع وتم وسمها وتطببيها بكل الأدوية الشعبية المعروفة وحالها على ما هو عليه دون جدوى أو استجابة.
فقدت الأسرة كل الحلول في علاجها وتركتها للأيام لتكون كفيلة في شفائها، وحينها أخذ الناس يتهامسون ويطلقون الشائعات بإصابتها بمس أو عمل شيطاني أفقدها عقلها.
وأثناء ذلك نقلت مريم إلى منزل ذويها ونقلت ابنتها إلى منزل أختها التي وضعت مولودا هي الأخرى مؤخرا لتقوم برعايتها إلى جانب رضيعها، مع مرور شهر على هذا الوضع توفيت ابنتها بعدما عجز الجميع في رعايتها وإسكاتها من بكائها المستمر لتتوالى الأخبار السيئة في قدومها حيث توفي زوجها سالم أثناء ذهابه في رحلة الغوص بحثا عن لقمة العيش. تم إخبار مريم بوفاة زوجها وابنتها لتذرف دموعها بغزارة وتزداد صمتا، حيث تحركت عيناها باتجاه السماء دون أن يعلم أحد السبب في ذلك.
وذات ليلة استفاقت مريم وخرجت إلى خارج المنزل وأخذت تصرخ بصوت عال كأن روحها رُدت إليها، فقام والداها على صوتها، لتحتضنها أمها لتهدئتها وتطمينها، إلا أنها ازدادت في بكائها وصراخها ... وقالت والدتها: ما بالك يا ابنتي... أجيبي علينا... متابعة وهي تبكي أيضا: سترك يا رب ... اللهم اشفها من علتها..
فقالت مريم: ادعي علي يا أمي .. وبصوت مختنق من شدة البكاء .. لقد رأيت عرافة في يوم ما أنا وصديقتي فاطمة. وقالت لي: بأنني سآخذ شيئا وسأحبه ولكني سأضيعه بيدي .. في وقتها لم أعِ ما قالت ولكني الآن فعلا فقدتهما وضيّعتهما يا أمي بيدي هاتين..
فقد خيل لي في ذلك الوقت بأنه ابن عمي الذي كنت أكن له حبا كبيرا، غير أن القدر شاء أن أرفضه ... ولكني عندما أخذت سالم فعلا أحببته وقضيت معه أجمل أيامي، إلا أني كذبت إحساسي بأن أعيش ذلك الحلم الجميل، فعبارات العرافة كانت تتملكني... أما الآن أنظري إلى حالي فأنا فعلا أضعتهما وأفتقدهما كثيرا... فكيف بي أعيش دونهما وأنا لم أسعد بهما مثلما سعدا هما بي... نظرت إليها أمها والدموع تملأ عينيها وقالت: استغفري الله يا ابنتي واصبري واحتسبي واطردي أوهام العرافة من رأسك واعلمي أنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده.
ناهد مبارك
