كثيرة هي المواقف المحرجة التي مرت عليّ في حياتي، سببها النسيان الزائد. فأجد نفسي أنسى طلب أمي بعد لحظات قليلة أو أبحث عن مفتاح السيارة ويكون موجودا في متناول يدي أو أبدأ بالحديث عن موضوع أجده مهماً، لأنسى بعد ثوانٍ ما كنت سأقول، ويسوء الأمر أكثر عندما أنسى مواعيدي.
حاولت مرارا وتكرارا أن أكون أكثر نباهة في تصريف أموري ولم أستطع، فغالبا ما أقع في مواقف لا أحبذ أن أقع فيها، دفعت بمن حولي بإخراج مشاعر الغضب بسبب نسياني المتكرر. وفي الوقت ذاته لا ألوم نفسي وأحاول أن أواسيها بأن المشكلة خارجة عن إرادتي. ولا أقف عند هذا بل دائما ما أحاول أن أصلح الموقف بصورة فكاهية للتخفيف من وطأة الموقف على الآخرين، ولكن أمي كانت دائما تقول لي عبارة «يوم فوادش ما على الحاية ما تسوينا عدل» تقصد بها أنني لا أركز في الأمور التي لا تهمني كثيرا. ودائما ما تتوعدني بعلاج سيجعلني أكثر تركيزا في المستقبل.
دفعني ذلك وبقوة للبحث كثيرا في أسباب النسيان ووسائل تقليله واستشرت طبيبا في ذلك محاولة إيجاد حل طبي للنسيان، فاجتمعت أغلب سبل العلاج في تحسين الغذاء وأكل بعض الفيتامينات ومحاولة التركيز قدر الإمكان في أفعالي.
وبعد مرور فترة من الزمن، قررت أن اثبت للآخرين ولنفسي، أنني تغلبت على مشكلة النسيان ولكن ذاكرتي خانتني من جديد في ثلاثة مواقف لا أحسد عليها.. أولها عندما قررت أن أخرج للسوق باكرا لأشتري لصديقتي هدية بمناسبة قدوم مولودها الجديد، فجهزت نفسي وتأكدت من وجود هاتفي النقال في الحقيبة وخرجت من المنزل وأنا كلي ثقة من أنني لم أنس شيئا، استأذنت خلالها أمي بالمضي.
ثم اخترت بشكل سريع الهدية من محل الأطفال ومضى البائع في تغليفها، وأدركت في حينها نسياني لمحفظة النقود في المنزل. فعدت مسرعه للبيت لجلب المحفظة دون أن أعلم أهلي بسبب عودتي المفاجئة، ولكن أمي رمقتني بنظرات الشك التي توحي بفهمها للموضوع، ولكنها سكتت غير معقبة. فمضيت مسرعة لإحضار الهدية.
وجاء وقت الخروج لموعد الزيارة، فانطلقت حاملة معي الهدية المغلفة في كيس بنفسجية اللون، أدخلتها معي منزل زميلتي ووضعتها عند مدخل باب منزلها، ونوهت لزميلتي بأنها هدية المولود الجديد. وبعد التهاني والسلام والضيافة، هممت بالخروج حاملة معي الهدية مرة أخرى غير مدركة لما أفعله حتى وصلت إلى باب مصعد البناية لأجد صديقتي في ظهري، لا تتمالك نفسها من الضحك وتذكرني بأن الهدية للمولود. أحرجت كثيرا وانفجرت من الضحك ساخرة من نسياني الذي تعودت عليه زميلتي بطبيعة الحال.
عدت بعدها إلى المنزل متعبة من يوم طويل وحافل بالمواقف، فوجدت المسبح أفضل من سيخلصني من هذا التعب، فدخلت مسرعة دون أن أشعل سخان المياه، ناسية تماما أخذ ثيابي النظيفة، وطبعا لم أدرك إلا بعد فوات الأوان فأخذت أنادي بصوت عالٍ على إخوتي لينقذوا الموقف فالجو كان باردا جدا. فسمعت أمي ندائي وبادرت بحل مشكلة النسيان عندي بصورة نهائية، بمنع إخوتي من الاقتراب، وإقفال الباب علي من الخارج ليلة كاملة دون ماء ساخن أو ثياب نظيفة.
ولا أذكر بعدها أنني رجعت إلى النسيان مرة أخرى
ابتسام الشاعر
