لقد تحققت السعادة بمدنية الإسلام، حيث انطلقت بالناس من مبدأ الظلم إلى العدل، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن الظلمات إلى النور، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن وحدة العصبية القبلية إلى حبل الله المتين ونوره المبين، كل هذا وغيره من مزايا وخصائص مدنية الإسلام الحديثة التي أنارت نور الهداية وأطفأت ظلام الغواية بين المسلمين ومن اعتنق دينهم من البشر ومن المسالمين من أهل الكتاب وغيرهم فكل هذا يحقق السعادة للبشرية فتكون مرتاحة البال لا يشغلها شاغل فكل شيء مهيأ، فبعد هذه السعادة عليهم شكر الله تعالى بما منّ به على خلقه.
إن الدارس للحضارات الأخرى يجد إنها تضيّق الخناق على البشر من ذلك كان الظلم شائعا بين المجتمعات المتحضرة فكان القوي يأكل الضعيف والمظلوم يُهضم حقه، وكانت عباداتهم خالية من الروحانية فهدفهم المادة والعيش في دار فانية مملوءة بالضغائن والأحقاد لا يصبرون على أي ضر مسهم ولا يشكرون على أي خير مسهم بل ييأسون من الملمات التي تقع عليهم، ويفرحون بالخير الوفير ولم يعلموا أن مفاتيح الخير والشر من عند الله تعالى، فغير المسلمين يظنون ان الخير من عند الله والشر من عند محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا مخالف للحقيقة فهو لا يعلم الغيب وقد ردّ عليهم بقوله تعالى(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) {الأعراف/188} ولو القينا نظرة على المدينة اليونانية ( التي كانت مركز المدنية الحاضرة آنذاك، فكان المهم عند رجالها نشوء قوى الإنسان نشوءا متناسبا، وكان المثل الكامل عندهم الجسم الجميل المتناسب، وليس هذا إلا اعتدادا بالمحسوسات اعتدادا كبيرا، وكان أكبر عنايتهم بالرياضة البدنية والألعاب الرياضية والرقص وغيره، وكان التثقيف الذهني الذي يحتوي عليه الشعر والغناء والتمثيل والفلسفة وعلوم الطبيعة لا يتجاوز حدا خاصا حتى لا يكون ارتقاء الذهن على حساب الجسم، وكان الدين خاليا من الروحانية المعنوية؛
لم يكن فيه علم الدين ولا طبقة رجال الدين...) هذه بعض مقومات المدنية اليونانية فالفرق كبير بينها وبين المدنية الإسلامية فعند مولدها خالفت بعض ما كان عليه اليونان وهذبت البعض الآخر فالقوة الإنسانية مطلوبة في المدنية الإسلامية فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ولا يعني هذا الخير والتفاضل بين المسلمين فلا يكون التفاضل إلا بالتقوى.
ولا ينظر إلى لون البشر بل ينظر إلى قلوبهم، وبالنسبة للرياضة البدنية والألعاب الرياضية فالمدنية الإسلامية رغبت في ذلك ولم تنكر على أحد فقد كان المسلمون من قبل يتعلمون رمي السهام و السيوف وغيرهما وقد أثر أيضا عن الخليفة الراشد الفاروق (ت 23 ه) رضي الله عنه إنه قال (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل) وعن الطرب أبدل الله تعالى للمسلمين القرآن الكريم وقد شكا الصحابي مازن بن غضوبة إلى الرسول ـ الأعظم ـ كما حكى لنا الإمام السالمي (ت 1332 ه) رحمه الله في تحفته، أنه كان مولعا بالطرب فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال...) هذا وقراءة الأناشيد وغيرها بد من الغناء، وفي علوم الفلسفة لم يمانع الإسلام من الخوض فيها ولكن قيدها بشروط لا تخرج عن نطاق الشريعة الإسلامية فلا شك في وجود الله ولا تصديق في تعدد الآلهة ولا تناقض في الكتاب العزيز ولا في الأمور المسلم بها، فالنار حارقة والواحد نصف الاثنين... وغيرها من أمور الفلسفة والمنطق.
واجب المسلمين تجاه مدنية الإسلام: إن من الضروري جدا والمهم لحملة رسالة الإسلام الحنيف الاعتناء بمواريث الأمة المحمدية في جميع شؤون الحياة الفكرية والمعرفية والتشريعية والاقتصادية والسلمية...لأننا حملة رسالة ودعاة سلام للبشرية جمعاء فالمحافظة التامة عليها أمر مطلوب من جميع من يحمل الشهادتين.
فقد أخذت الذئاب تنهش لحومنا وتلصق بالمسلمين التهم الشنيعة وبعضهم يُحمل المسؤولية رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلام وحاشا لله ذلك (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِيرا وَدَاعِيا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجا مُّنِيرا) {الأحزاب45/46} وأمره ربه أن يبشِّرِ (الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرا) {الأحزاب/47} هذه هي الدعوة الحق التي جاء بها رسول الهدي صلى الله عليه وسلم (كانت دعوة من نور جاءت بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله.
ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة في قول لا شبهة فيه ولا غموض وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب) فماذا نقول بعد هذا الكلام للذين يغمضون أعينهم عن الحقيقة؟ نقول لهم، ما قاله الشاعر وليس يصح في الأذهان شيء ـ إن احتاج النهار إلى الدليل.
فعلى جميع شباب الأمة صياغة أفكارهم من جديد حول فهم حقيقة الإسلام، واحترام علماء الأمة مهما كان مخالفا في الرأي فالكل يخطيء ويصيب ولا عصمة لأحد من ذلك إلا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم (فلو جرت الأمور هكذا وتمتعت الأمم الإنسانية بقيادة الجماعة التي خُلقت لقيادتها، وأُعطيت القوس باريها، وجرت المياه في مجاريها، لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤه... الحافل بالزلازل والنكبات ناطقا بطول بلاء الإنسانية ومحنتها) فعلينا أن نعود إلى أحداث التاريخ الإسلامي لنأخذ منه العظة والعبرة، ونغترف منه المنهج العلمي والنظرة العقلية للوقائع، والله وليّ التوفيق والسداد .
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
