على العدل قامت السماوات والأرض، وبالقسط أمر الله وعلى المساواة قام ميزان الحق والباطل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) الآية (90) سورة النحل.

(العدل أساس الملك) حكمة قديمة يثبت التاريخ والواقع مصداقيتها إلى حد بعيد فإذا ساد العدل في مجتمع من المجتمعات فإن الإنسان يعيش آمناً في نفسه آمناً على أهله وماله وبالتالي يشعر بانتمائه الحقيقي للمجتمع الذي يعيش فيه وفي ظل هذا الانتماء القوي من الفرد للمجتمع والدولة تنمو الحاجة الملحة للدفاع عن كيان هذا المجتمع وهذه الدولة في كل عضو من أعضائه ولذلك نجد هذا المجتمع متيناً متماسكاً عصياً على الأعداء لا يستطيعون النيل منه لأن كل فرد في المجتمع يعلم أنه إن لم يهب للدفاع عن هذا المجتمع فإنه في ظل الأعداء سيسام الهوان والذل فيرفض ذلك بطبيعته وهكذا تستمد هذه المجتمعات متانتها في مواجهة العدوان الخارجي.

ومن الآيات التي تحث على العدل بل توجبه بين الناس لا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر أو مسلم وغيره. ومن أمثلة ذلك ما يلي: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء58 (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب التقوى) المائدة 8 (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) النحل90. (وأمرت لأعدل بينكم) الشورى15 (فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين) الحجرات 9 .

والعدل اسم من أسماء الله، وخاصية لازمة من خصائص الإسلام، التي لا يجوز للدولة أو الأفراد إهمالها أو مخالفتها، وفريضة واجبة في أعناق أفراد الأمة جميعا، راعيها ورعيتها على السواء، وهو ميزان الله تعالى في الأرض، يؤخذ به للضعيف من القوي، ولصاحب الحق من المبطل المعتدي، وهو في معناه العام يتضمن الإنصاف والمساواة وعدم الجور في الأحكام أو التصرفات، سواء من الحاكم أو من المحكوم.

وجاء معنى العدل في القرآن الكريم بصيغ وألفاظ متنوعة: جاء بلفظه: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) 282 البقرة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) 90 النحل وجاء بصيغة المضارع و الأمر: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) 8المائدة وجاء بلفظ القسط: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 47) الأنبياء وجاء بلفظ الميزان: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) 17الشورى.

وفي قوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ما يدل على أن الله تعالى يحقق لأهل العدل ما وعدهم به من المخرج إذا حققوه وقد ذكر العلماء أن العدل هو التقوى نفسها، قال الجصاص رحمه الله في تفسير الآية: فإن قيل: لم قال: (هو أقرب للتقوى) ومعلوم أن العدل نفسه هو التقوى، فكيف يكون الشيء هو أقرب إلى نفسه؟ قيل: معناه: هو أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات.

أحمد عبد المجيد