لا يمكن أن نتجاوز ما نحن فيه من ظلم أو كرب أو شدة أو حاجة ونحن نلعن كل شيء ولا نرى في أنفسنا إلا الكمال قال الشيخ: ألم تروا كيف عم البلاء وظهر الفساد في الأرض، وانتشر الهم والغم والقلق والكرب، وراحت الحوادث تعصف بالناس وتؤدي بهم إلى الإحباط وخيبة الآمال. بل وإلى الفقر بعد غنى واكتفاء، وإلى السجن بعد حرية وانطلاق، وإلى الانتحار بعد حياة ونعيم.
هذا في المشهد العام لكل أصقاع الأرض، أما على مستوى كل فرد فيمر كثيرون منا بكروب تضيق لها الأنفاس وتبغض معها الحياة، ويزهد فيها بكل شيء فما الذي يمكن أن نقدمه للناس عامة ولكل فرد من المصابين خاصة مما يجلي الحقائق ويبرد القلوب. فأول ما يقال ان ما فينا من بلاء هو من عند أنفسنا التي طغت وظلمت وكلت وملت وتكاسلت وقصرت، فما يقال عن «الأقدار» و«الظروف» و«الحظوظ» كله هراء في تبرير ما نحن فيه، ولابد أن نتحمل مسؤولية أخطائنا كبيرها وصغيرها، ومع أن هذا المعنى مشتق من القرآن الكريم فإن ما يكتب حديثاً من قبل رواد التنمية البشرية وعلماء الإدارة والتربية يعود ليؤكد هذا المعنى، لأننا لا يمكن أن نتجاوز ما نحن فيه من ظلم أو كرب أو شدة أو حاجة ونحن نلعن كل شيء ولا نرى في أنفسنا إلا الكمال.
ويمر المرء في حياته بكثير من المنعطفات يستطيع فيها أن يراجع نفسه بعد أن يكون قد أدركه لطف الله فلم يقصم ظهره، ومن لا يستغل هذه المنعطفات عليه أن يتحمل أسوأ التبعات فما دمنا سنسير في نفس الطرق فإننا سنصل إلى نفس النتائج أو النهايات. أما المسلم فتجارته مع الله رابحة وإن خسر الدنيا كلها، فما الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة؟ قطرة من بحر أو ذرة من رمل، وما أظن أن يقيناً بهذه الحقيقة الكبرى يستولي على قلب امرئ إلا ويعطيه دعماً ودفعاً ومناعة إيمانية كافية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر ورد عن الرسول الأعظم أن ركعتي سنة الفجر تعدلان عند الله الدنيا وما فيها، وإن كان المرء مؤمناً حقاً ومصدقاً لما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ركعتين يسبق بهما الفجر تعوضانه عن كل فقدٍ أو خسارة، أي أن الله عز وجل أكرمنا نحن أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقليل فعل يعدل أو يزيد عن كل نتائج العمل والنشاط والسعي والصراع والحركة والنزاع مما يملأ الأرض وصولاً إلى نصيب قل أو كثر من هذه الدنيا.
الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الروم: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) 41، ووالله ما أرى زمناً تعبر عنه هذه الآية الكريمة كزماننا، فالفساد في كل مكان من الطبيعة والبيئة إلى الأخلاق والقيم إلى الصناعة والتجارة، والفساد لم يقتصر على البر ؟ وما أعظم إيمان الصحابة رضوان الله عليهم في تسليمهم وتفويضهم إذ لم يكن متصوراً يومها أن الفساد سيصل إلى البحر مما جعل بعض المفسرين يفسرون كلمة البحر بأنها المدن الكبيرة او الأرياف - وها هو الإنسان يدخل إلى عوالم البحور لينشر فيها الفساد على ألوانه.
والحق سبحانه وتعالى يقول (بما كسبت أيدي الناس)، أي كفانا نكذب على أنفسنا فنعلل خسائرنا بكل شيء إلا ذواتنا، ثم هب أننا فعلنا ذلك فمن غيرنا الخاسر؟ ومن غيرنا يدفع ثمن أخطائه سحقاً ومحقاً وقلة وعلة وغلاءً وبلاءً وأمراضاً وأدواءً. ثم يقول عز وجل (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي أننا كجماعات وأفراد مع كل ما نعانيه ونتأوه ونتلوى منه، ومع كل ما تنوء به ظهورنا ونفوسنا نذوق بعضاً مما نستحقه، ولولا رحمة الله لما ترك على الأرض من دابة وهو الحليم الكريم. والله إننا لا نملك فراراً إلا إلى الله، ولن ننعم بالحياة الدنيا قبل الآخرة إلا بالتسليم لله وتحكيم شريعته سبحانه وتعالى.
ماهر سقا أميني
